لا تبدو الإجراءات التركية الأخيرة في ملف اللاجئين السوريين خطوة خارج سياسة تركيا المقبلة في الملف السوري. بل يمكن القول إنها أحد تعبيرات التغيير في سياسة تركيا، والتي بدأت تحولاتها أواخر عام 2015 بالتوجه نحو إجراءات متشددة، خطواتها الأهم فرض تأشيرة على السوريين القادمين عبر بلد ثالث، وإغلاق شبه تام للمعابر البرية بين سوريا وتركيا، وتصعيب الحصول على إقامة الحماية المؤقتة «كميلك» ومثلها إقامة السوريين السياحية.
لقد قيل الكثير من جانب الأتراك والسوريين لتبرير تلك الخطوات دون الإشارة إليها بوصفها تعبيراً عن التحولات التركية، واستندت تلك التبريرات إلى مسار في التعامل التركي المفتوح مع الوافدين إلى تركيا بين عامي 2011 و2015، حيث جرى فتح المعابر بين البلدين، وسُمح بدخول كيفيّ للأشخاص والبضائع والمعدات والأموال بلا قيود تقريباً، وأحياناً دخل السوريون من دون وثائق سفر ولا شخصية، وأخذوا يتنقلون بالراحة في كل أنحاء البلاد، وقدم الأتراك في المستويين الشعبي والرسمي مساعدات للقادمين خففت بعض معاناة لجوئهم، بل إن الحكومة التركية سمحت خصوصاً للمجلس الوطني والائتلاف الوطني من قوى المعارضة السياسية والمسلحة بحرية كبيرة للاجتماع والتنقل والعمل في تركيا وعبر الحدود مع سوريا.

 


ولأن الأتراك غلفوا موقفهم بدواعٍ إنسانية ودينية من طراز مقولة «الأنصار والمهاجرين»، فمما لا شك فيه أن مصالح أساسية، كانت في خلفية موقف تركيا، التي تتصل مع سوريا بحدود تزيد على ثمانمائة كيلومتر، وبينهما ملفات عالقة منذ عشرات السنين تتصل بالمياه المشتركة وأراضٍ فيها ادعاءات متبادلة وسكان وأمن على جانبي الحدود، كما في الخلفية مستقبل العلاقات التركية - السورية، إضافة إلى أن سوريا بوابة تركيا البرية إلى العمق العربي.
لقد تصور الأتراك ومثلهم كثيرون حسماً وسريعاً في الوضع السوري، وأن حضورهم الواسع والعميق في الملف، سيعطيهم مكانة أفضل، لكن التطورات ذهبت في اتجاهات أخرى، حيث صار الملف مفتوحاً على الوقت وعلى أطراف دولية وإقليمية كثيرة، وضعف حضور السوريين فيه إلى حد يكاد يكون صفراً، بل إن الوضع السوري كشف المخفي من علاقات ومراهنات تركيا الإقليمية والدولية خصوصاً في علاقاتها الروسية والأميركية - الأوروبية، إذ دخلت مع الأولى مرحلة تحالف بمشاركة إيران بعد أن كادت تذهب مع الأولى في حرب إثر إسقاطها الطائرة الروسية 2015، واكتشفت أن علاقاتها الأميركية - الأوروبية، سواء في إطار حلف شمال الأطلسي أو خارجه، لا تشكل دعماً ولا سنداً لتركيا في السياسة ولا في الحرب.

 


ولم تكن التطورات الإقليمية والدولية وحيدة في تأثيراتها على الموقف التركي في الملف السوري، بل دخلت عليه التأثيرات الداخلية، والتي يمكن رؤية أهمها في صراعات النخبة الحاكمة من حزب «العدالة والتنمية» وتوجه بعضهم لإقامة حزب جديد منافس، مما أضعف الحزب ودفعه إلى تحالف مع خصم سابق، مما عزز موقع المعارضة في الخريطة السياسية على نحو ما عبّر عنه فوزها بمقعد رئاسة بلدية إسطنبول، وهي التي جعلت من الملف السوري وموضوع اللاجئين أحد عناوين صراعها مع الحزب الحاكم. وفي التأثيرات الداخلية يمكن التوقف عند الأزمة الاقتصادية وما تتركه من تردٍّ في قيمة العملة التركية وارتفاع أسعار السلع والخدمات ونسب البطالة، مما جعل الأنظار تتوجه إلى اللاجئين السوريين.

 


ولا شك أن العامل السوري في الداخل التركي، قد أفرز تأثيرات شديدة السلبية، عززت تبدل الموقف التركي سواء من جهة التشكيلات السياسية والمسلحة أو على الصعيد الشعبي. ففي الجهة الأولى شكّل غياب البرامج التوافقية المشتركة والصراعات البينية وفي التشكيلات السياسية والمسلحة عامل إضعاف لها ولدورها، وقد أدخل بعضها الأتراك طرفاً في الصراعات، وبالنتيجة صار العديد منها في مكانة التابع السياسي والمسلح للأتراك. وفي المستوى الشعبي، انكشفت التمايزات الكثيرة بين السوريين والأتراك، رغم أنها تمايزات موضوعية في أغلبها لاتصالها بالعادات والتقاليد والموروثات الشعبية. وثمة جانب آخر في هذا السياق والمتعلق بعمل السوريين لدى الأتراك، وهو عمل بلا ضمانات وزمنه طويل وأجوره منخفضة وبيئته سيئة، وللأسف فإن بعض أصحاب العمل كانوا يمتنعون عن دفع أجور عمالهم الذين كان بعض العمال الأتراك يرون فيهم منافسين على فرص العمل.

 


وسط ظروف متعددة ومعقدة تواصلت تحولات الموقف التركي في موضوع اللاجئين السوريين في تركياً وفي إجمالي موقف الأخيرة من القضية السورية، وفي هذا السياق جاءت موجة الترحيل العلني الأخيرة للسوريين بحجة وجود اختلالات في أوضاع إقاماتهم التركية، منها أنهم لم يحصلوا على «كميلك» أو أنهم مسجلون في محافظات غير تلك التي تم ضبطهم فيها، وقد تبين أن الأمر تجاوز ذلك في حالات، وزاد على ذلك القيام بتدخلات فجة لفرض قوننة الأنشطة الاقتصادية للسوريين ومنها المحال التجارية والمشاريع التي أقاموها في السنوات الماضية، ووقْف استفادة السوريين من الخدمات الصحية، والتدقيق في أذون العمل الممنوحة لهم.

 


ليس من المبالغة القول إن هذه الإجراءات سوف تستمر، وغالباً فإن بعضها سوف يتصاعد، لأنه لا مؤشرات إيجابية تجعل الأتراك يمضون في اتجاه مختلف، واللاجئون السوريون لا خيارات أخرى أمامهم إلا في واحد من احتمالين: تحقيق حل في سوريا يضمن عودة اللاجئين إليها، أو أن تدخل تركيا في لعبة إبحار اللاجئين نحو أوروبا على نحو ما فعلت في عامي 2014 و2015، وهو أمر صعبٌ أن يتكرر. لكن الحقيقة الوحيدة أن العصر السوري السهل في تركيا صار من الماضي، والوضع يتجه نحو الأصعب في وقت يتجاهل فيه الجميع أوضاع السوريين ومعاناتهم في تركيا كما في غيرها.