دخلت الأزمة اللبنانية مرحلة المُكاسَرَة؛ مَن يكسر مَن سياسياً. ضمنياً؛ المعنى من يكسر رأس مَن، ولكأن هذا البلد الذي مرّ بتجارب مؤسفة ومدمرة في السابق، لم يتعلم شيئاً من الماضي، ولم يدرك أنه خارج إطار التوافق والتفاهم لا يمكن له أن يستقر ويتقدم، وهكذا باتت التسوية السياسية التي جاءت بالجنرال ميشال عون رئيساً للجمهورية في حاجة إلى تسوية أهم وأعمق، لأن التسوية الأولى أنهت فراغاً رئاسياً استمر عامين ونصف العام تقريباً، أما التسوية المطلوبة الآن، فلكي تمنع انزلاق البلد مرة جديدة إلى صراعات عنيفة؛ وحتى حرب أهلية.

 

العلاقات بين «العهد» و«التيار الوطني الحر» من جهة؛ و«الحزب الاشتراكي» من جهة ثانية، من سيئ إلى أسوأ، وباتت على حافة قطيعة وعداء بعد حادث قبر شمون، الذي قال «العهد» أولاً إنه أُعد لاغتيال الوزير صالح الغريب، ثم عاد ليقول قبل أيام إنه أُعد لاغتيال الوزير جبران باسيل صهر عون، و«التَّراشّ» بالاتهامات، وحديث الطرفين عن امتلاك التسجيلات الأمنية المتناقضة، وكذلك عن التدخلات والضغوط التي يقول «الحزب الاشتراكي» إن «العهد» يمارسها على القضاء، سواء بالدفع أولاً إلى إحالة الحادث إلى المجلس العدلي، مما يشكل اتهاماً سياسياً ضمنياً للنائب السابق وليد جنبلاط و«الحزب الاشتراكي»، أو بالتدخل في تعيين القضاة وممارسة الضغوط عليهم، ولكن «العهد» و«التيار الوطني الحر» يقولان إنه كانت هناك محاولة للاغتيال، وإن القضاء سيصدر حكمه في الأمر... كل هذا يدفع بالتصعيد إلى أقصاه.

 

والعلاقات بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري مهندس التسوية السياسية كما هو معروف، أيضاً من سيئ إلى أسوأ، أولاً على خلفية الخلاف حول إدراج أو عدم إدراج حادث قبر شمون على رأس جدول أعمال مجلس الوزراء، لإحالته إلى المجلس العدلي، ثم مع العودة إلى الحديث عن الصلاحيات الدستورية لكل من الرئيسين، وخصوصاً بالنسبة للمسؤولية الدستورية عن دعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد وتحديد جدول أعماله. ومع هذا الخلاف المتصاعد لم يُعقد مجلس الوزراء منذ شهرين، للبدء في تنفيذ الموازنة، التي تكاد السنة تنتهي قبل أن تبدأ نتائجها، خصوصاً لجهة تسليك الطريق أمام البدء بتنفيذ ما اتفق عليه في «مؤتمر سيدر»، وهكذا يتصاعد الخلاف على تفسير الدستور؛ لجهة فرض دور لعون في الدعوة إلى عقد مجلس الوزراء، وتحديد جدول أعماله، مما دفع بـ«تيار المستقبل» ورؤساء الحكومات السابقين والمرجعيات السنيّة، إلى رفض هذا الأمر والتمسك بدور رئيس الحكومة في إدارة السلطة التنفيذية في البلاد إنفاذاً للدستور.

 

الرئيس نبيه بري قال قبل يومين إن الرئيس الحريري يريد اجتماع الحكومة قبل غيره، وسبق أن عقد اجتماعاً لها بعد ساعات قليلة من حادث قبر شمون، ولكن وزراء «التيار الوطني الحر» تأخروا عمداً عن حضور الاجتماع لتعطيله، ولهذا؛ فإن الحريري يتمسك بالمراهنة على التهدئة، ويقول إنه عندما تهدأ النفوس فسنعود إلى مجلس الوزراء، وذلك على خلفية 3 احتمالات: إما أن تدعى الحكومة إلى الانعقاد في ظل خوف من تعطيل نصابها، خصوصاً بعد التصعيد بين «بعبدا» و«المختارة»، وإما أن تعقد بنصاب كامل، ويُعمل فيها على كسر الرؤوس بالتصويت، وإما أن تنفجر من الداخل ويذهب البلد إلى أزمة حكم مفتوحة.

 

والعلاقات بين «العهد» و«حزب القوات اللبنانية» أيضاً، من سيئ إلى أسوأ كما هو معروف. أما العلاقات بين «التيار الوطني الحر» والرئيس بري فليست على ما يرام منذ كلام باسيل عن «البلطجي»، وهو ما كاد يشعل فتنة بين الطرفين في العام الماضي.

 

صحيح أن عون حليف «حزب الله»، وصحيح أن التسوية السياسية أصلاً استجابت لإصرار «الحزب» على رئاسة عون، لكن الصحيح أيضاً أن «الحزب» ينفخ في تجمع «8 آذار» بدفع سوري وإيراني، لتحجيم جنبلاط، ليس لأنه قال إن مزارع شبعا ليست لبنانية إلى أن يقرّ السوريون خطياً بلبنانيتها، وهو ما أثار غضب إيران وسوريا و«حزب الله»، بل للمضي أكثر في تفتيت جماعة «14 آذار»، ولهذا مثلاً أصرّ على إحالة حادث قبر شمون إلى المجلس العدلي، وواصل توجيه الانتقادات لأن مجلس الوزراء لا يجتمع، رغم أن تمسكه بالمجلس العدلي هو الذي ساهم في تعطل مجلس الوزراء وينذر بتفجير الحكومة، وهو ما يرى البعض أنه مسار يساعد بالتالي عبر سياسة التعطيل، على الوصول إلى «مؤتمر تأسيسي» يعيد توزيع السلطات على أساس المثالثة بدلاً من المناصفة، التي أقرها «اتفاق الطائف» الذي صار دستور البلاد.

 

وعلى هذه الخلفية كان من المفاجئ صدور بيان السفارة الأميركية، أول من أمس الأربعاء، الذي جاء أشبه برسالة قوية إلى «العهد» تدعو صراحة إلى تحقيق العدالة في حادث قبر شمون، ولكن دون تدخل سياسي أو تأجيج نعرات طائفية ومناطقية بخلفيات سياسية، ولهذا بدا كأنه دخول على ما تعدّه واشنطن ضغوطاً إيرانية عبر «حزب الله» للإمساك نهائياً بالوضع في لبنان، وكان لافتاً تصريح عون الذي استبق البيان بالقول: «إن لبنان لا يخضع لإملاءات أحد ولا يؤثر عليه أحد»، وفهم أن هذا الكلام جاء سريعاً، بعد لقاء السفيرة الأميركية في بيروت مع الوزير جبران باسيل.

 

صحيح أنه في ظلّ هذه الشبكة من الخلافات المتقاطعة، باتت التسوية السياسية في حاجة فعلية إلى تسوية سياسية جديدة، لكن من الواضح أن الجدار يبدو مقفلاً على أي مخارج أو حلول، فالرئيس بري أوقف محركات وساطته، وكان التحرك الذي قام به اللواء عباس إبراهيم قد وصل إلى حائط مسدود، بسبب الإصرار على «المجلس العدلي».

 

لتوصيف الأدق للوضع جاء من البطريرك بشارة الراعي الذي تجاوز هذه المرة الدعاء والصلوات، ليقول إن حادث قبر شمون كشف كل مثالب الوضع في لبنان، عندما أظهر خلافات المسؤولين والسياسيين حول المحاكم والقضاء، وحول صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ومن يدعو إلى عقد مجلس الوزراء، وأن المسؤولين يخالفون الدستور والقوانين، وأنه ليست لديهم أي رؤية أو تطلع إلى البعيد، وأنه قد بتنا في دولة مزارع وطوائف ونافذين يسيّرون القضاء حسب أهوائهم، في بلد يأكل فيه القوي الضعيف.

 

وحال القضاء مثل حال الأجهزة الأمنية، ولهذا كان مفهوماً لماذا تنتقد «كتلة المستقبل» التشكيك في نتائج التحقيقات التي يتولاها «فرع المعلومات» بقوى الأمن الداخلي، في حادث قبر شمون، وأن هذا صار سياسة مكشوفة الأهداف، يقوم بترويجها نواب ومواقع إخبارية تتناوب تهشيم صورة «الفرع»، وقد وصلت بعد حادث قبر شمون إلى حدود غير مقبولة، مع ما يتردد عن تدخلات للقفز فوق نتائج التحقيقات التي أجراها «الفرع»، بهدف الوصول إلى مسار تحقيقي جديد على خلفية الاتهامات الجاهزة؛ والمقصود تلك التي تستهدف جنبلاط و«الحزب الاشتراكي»، بما يبدو كلاماً موجهاً إلى الرئيس عون مباشرة.

 

ماذا بقي من التسوية السياسية؟ لم يبقَ شيء، لأن التطورات والمشكلات المتتابعة منذ وصول عون إلى كرسي الرئاسة، تظهر أنه أخذ موقفاً إلى جانب «حزب الله»، وجماعة «8 آذار»، بينما كانت روح التسوية تقوم على أساس احترام «الطائف» والدستور والصلاحيات وحياد لبنان، ومن شأن استمرار الوضع على ما هو عليه أن يدفع بلبنان إلى الخراب سياسياً واقتصادياً.