عام 2015، عندما روّج الرئيس حسن روحاني لـ«الاتفاق النووي» الذي أبرمه مع إدارة أوباما، باعتباره «النصر الدبلوماسي الأكبر في تاريخ الإسلام»، قليلون للغاية كانوا مدركين أنه في واقع الأمر أقر وثيقة في حقبة ما بعد الاستعمار، تضع جوانب محورية من السياسات الاقتصادية والصناعية والعلمية والأمنية لإيران، تحت وصاية ست قوى أجنبية بقيادة الولايات المتحدة.

ولأسباب عدة، لم يثر «الاتفاق النووي» بركاناً من الغضب الشعبي في إيران، على خلاف ما توقعه محللون. بادئ ذي بدء، لم يوقع أحد على هذا الاتفاق، ما يعني أنه ليس معاهدة ولا اتفاقاً دولياً ملزماً، وإنما هو أقرب لكونه قائمة أمنيات. كما أنه لم يمر عبر عملية تشريعية لإضفاء سلطة قانونية عليه. وربما يكون الأهم من ذلك أن النص لم يطرح صورة واضحة المعالم للمذلة التي قبلت بها «الجمهورية الإسلامية» باسم إيران.

وبدت العبارة التي رددها روحاني دوماً بفرح، حول أنه: «حتى الأميركيون أقروا بحقنا في تخصيب اليورانيوم» جيدة للبعض ممن لا يدركون أن الحق في تخصيب اليورانيوم معترف به لكل الدول من جانب القانون الدولي. ونظراً لنجاحهم في هذه التجربة القبيحة، قرر روحاني والفريق المعاون تكرارها مع فلاديمير بوتين. وحدث هذا العام الماضي، عندما سافر روحاني إلى كازاخستان لتوقيع وثيقة روسية حول بحر قزوين. وعند النظر إلى الوثيقة المؤلفة من 24 بنداً، نجد أنها تعكس شعوراً بأزمة هوية.

في الواقع، من غير الواضح ما إذا كانت هذه معاهدة أم مسودة اتفاق مستقبلي. ولا تحوي الوثيقة تعريفاً لبحر قزوين، إن كان بحيرة أو بحراً، في وقت من المفترض أن يحدد فيه التعريف تلقائياً وضعه في ظل القوانين والمعاهدات الدولية البحرية القائمة. تتظاهر الوثيقة بأنها تقر الوضع القانوني لبحر قزوين، دون تناول مسألة السيادة الجوهرية.

في الجزء الاستهلالي، يشير النص إلى «تغييرات وعمليات حدثت في منطقة قزوين على المستويين الجيوسياسي والوطني»، ويشدد على «الحاجة لتعزيز النظام القانوني لبحر قزوين». ويتجاهل النص الخلط ما بين «منطقة قزوين» و«بحر قزوين»، ويلمح ضمنياً إلى أن ثمة نظاماً قانونياً قائماً بالفعل؛ لكنه بحاجة إلى تعزيزه.

إذن، ما هذا النظام القانوني؟ تصوغ هذا النظام ثلاث معاهدات بين إيران وروسيا القيصرية، وأخيراً الجمهوريات الاشتراكية التابعة للاتحاد السوفياتي في القرنين الـ19 والـ20. في ظل هذه المعاهدات، تمتعت إيران وروسيا بسيادة مشتركة على بحر قزوين. ولا تذكر المعاهدات الرقم 50 - 50. وعلى أرض الواقع ظل بحر قزوين على مدار عدة عقود بمثابة بحيرة روسية تستخدم في جميع الأغراض العملية الممكنة. ومع هذا، تكشف المعاهدات أن إيران وروسيا كانتا القوتين الوحيدتين صاحبتي السيادة على بحر قزوين.

ويمكن الطعن في ذلك بناءً على مبدأ التغيير القانوني المعترف به دولياً؛ خصوصاً مع ظهور «دول الخلف». إلا أن الوثيقة الروسية لا تفعل ذلك؛ لأنها لو فعلت فإنه يعني قبول أن الدول الأربع المطلة على بحر قزوين التي خرجت من رحم الاتحاد السوفياتي السابق بعد تفككه، سيتعين عليها التشارك في نصف السيادة فيما بينها، بينما يبقى نصيب إيران دون تغيير.

ومن أجل التعتيم على هذا الأمر، يتجاهل النص، الذي تبعاً للمادة الأولى به يشكل نتاجاً لعمل حصري من جانب الإدارة العامة للملاحة وعلم المحيطات التابعة لوزارة الدفاع بالاتحاد الروسي، مسألة السيادة تماماً، ويتجه مباشرة إلى التأكيد على نصيب الدول الساحلية في ملكية الكيان المائي.

في هذا الإطار، ينتهي الحال بإيران صاحبة أقصر خط ساحلي على البحر بالنصيب الأقل، نحو 11 في المائة فقط.

ومع هذا، فإن السيادة والملكية فكرتان مختلفتان، فأنت قد تملك شقة في باريس ومعترف بك باعتبارك المالك لها، بينما السيادة على المنطقة التي تقع فيها الشقة تخص الجمهورية الفرنسية. على سبيل المثال، تنتمي ملكية كثير من الجزر الاسكوتلندية إلى أفراد؛ لكنها تبقى تحت السيادة البريطانية.

وتأتي العلاقة بين السيادة والملكية في صور متنوعة. مثلاً، تتميز دولة الفاتيكان بأكملها بالسيادة؛ لكنها تقع في قلب العاصمة الإيطالية روما، وتخضع لكثير من القواعد البلدية. وتحظى جمهورية سان مارينو على السواحل الإيطالية بوضع مشابه، بينما يمتلك أجانب 80 في المائة من العقارات في موناكو، دون أن يؤثر ذلك على سيادة العائلة المالكة. وفي بادئ الأمر، كانت الكونغو ملكية خاصة للملك ليوبولد الأول، ملك بلجيكا، والذي في ظل غياب كيان له سيادة، تعامل مع المساحة الشاسعة للبلاد كيفما شاء.

وكان من الممكن كذلك ممارسة السيادة عبر مسافات طويلة، فمثلاً تخضع نيو كاليدونيا في المحيط الهادي للسيادة الفرنسية، بينما تخضع جزر فوكلاند للسيادة البريطانية، في الوقت الذي يقع كلاهما على بعد آلاف الأميال من السلطات صاحبة السيادة عليهما. وبالقرب من بحر قزوين، نجد جيب شاه ماردان في قيرغيزستان يقع تحت سيادة أوزبكستان المجاورة.

ولضمان أن هذه وثيقة روسية حصرية، يعمد النص إلى استخدام مصطلحات وقياسات وشعارات شبه قانونية روسية، بدلاً عن المفاهيم والمصطلحات والإشارات المعترف بها دولياً، ومتضمنة في اتفاقية قانون البحر التابعة للأمم المتحدة.

وهنا يظهر السؤال: ما جدوى الملكية وحقوقها، إذا لم نكن نعرف أي سلطة سيادية ستفرضها؟ ونظراً لأن هذه وثيقة روسية، لم تضطلع أي من الدول الأخرى المطلة على بحر قزوين بدور في إعدادها، ربما تخلق انطباعاً بأن روسيا القوة الوحيدة ذات السيادة، وبالتالي الحكم الأخير في أي نزاعات في بحر قزوين. وإذا كان هذا الافتراض صحيحاً، فإننا قد نستخلص من ذلك أن روسيا حصلت على ميزة استعمارية لم يكن من الممكن الحصول عليها، حتى في الفترات التي كانت إيران خلالها ضعيفة، أو تعاني من مجاعة، أو تمزقها الحروب تحت قيادة آل قاجار.

ومن خلال هذا النص، تضمن روسيا لنفسها ميزتين أخريين؛ أولاً: أنها تسيطر على خطوط الأنابيب التي تنقل عبر بحر قزوين مخزونات هائلة من النفط والغاز الطبيعي باتجاه الأسواق العالمية؛ خصوصاً أوروبا. ومن شأن ذلك دفع إيران، التي تشكل الطريق الاقتصادي لهذه الأنابيب، خارج المنافسة. وبذلك، تمسك روسيا ببطاقة مهمة في مواجهة قوى أوروبية.

ثانياً: بالنظر إلى أن روسيا القوة العسكرية الوحيدة المعتبرة في بحر قزوين، فإنها ستعمل على الحفاظ على هذا الوضع، عبر منع الدول الأخرى المطلة على بحر قزوين من بناء وجود سياسي مهم لها، بمعاونة دول أخرى لا تطل على البحر.

ومن خلال مساعيه لتمرير هذه الوثيقة، يبدو فلاديمير بوتين كشخص تكتيكي يسعى للفوز بميزة سريعة، حتى وإن كان على حساب خسارة استراتيجية. ونظراً للهزة التي تعرضوا لها بسبب تداعيات مغامراتهم الطفولية، فإن ملالي طهران ربما يبلعون هذا الطعم الروسي. ومع هذا، أشك في أن أي حكومة إيرانية مستقبلية معتبرة ستقبل بها.