إعلان وزير خارجية إسرائيل الجديد عن أن بلاده تشارك رسمياً في العمل الأميركي بمنطقة الخليج، هدفه إظهار تعزيز إسرائيل مواقعها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، فهي تطور قدراتها على أنها شريك ذو وزن في تقرير مصيره.

 

وإذا ما قرأنا بموضوعية الخريطة الراهنة للشرق الأوسط والقوى المتصارعة على أرضه ومن حوله، فسنرى بوضوح إلى أي مدى تعززت مواقع إسرائيل ليس في التموضع؛ وإنما في مساحة حرية الحركة. الميزة الاستراتيجية الأهم ظهرت في الأداء الإسرائيلي على الجبهة الشمالية منذ الأيام الأولى لاشتعال الصراع الداخلي في ذلك البلد العربي المهم، والذي أدى إلى حضور إيراني مستجد على الجغرافيا السورية. إسرائيل حرة طليقة، تفعل ما تشاء ووقتما تشاء وأينما تشاء، وهذه ميزة وإن كانت في الماضي متاحة بفعل التفوق العسكري والتحالفي؛ إلا إنها كانت مكبلة بكثير من القيود.

 

المساحة الجديدة التي فتحت أمام إسرائيل، خصوصاً على الجبهة الشمالية، أغرتها بالتمدد إلى العراق واستسهال توجيه ضربات لأهداف إيرانية على أرضه، وهذا شجع الدولة العبرية العدوانية بكل المقاييس على المطالبة بإخراج إيران نهائياً من الأراضي السورية؛ بعد أن كانت في أول الأمر تتطلع إلى مجرد إبعادها عشرات الأميال عن حدودها.

 

وبفعل الاستعراض المتواصل للقوة الذي لم تتوقف إيران عن ممارسته والذي بلغ حد التبشير بالقضاء على النفوذ الأميركي بالمنطقة؛ بدءاً بالبحار واستطراداً إلى الدول الحليفة لأميركا، فلقد استدرج (هذا الاستعراض) احتشاداً عسكرياً لا يعرف حتى الآن إلى أين يصل، مع أن مقدماته ترجح أن يتنامى بحيث تصبح المنطقة التي كانت هادئة ومستقرة، واحدة من أخطر مناطق العالم اضطراباً وجاهزية لاندلاع الحروب.

 

من زاوية فلسطينية؛ وهذا صلب مقالتي، فإننا نرى... ونحن لسنا بحجم الرهان على مجريات الأمور في ذلك المكان الخطر، فنحن بعيدون جغرافياً عن ذلك المكان؛ بل ولسنا طرفاً بأي حال في الاستقطابات الجارية هناك، أننا في واقع الأمر أكثر المتضررين مما يجري؛ ذلك أن تعزيز مكانة إسرائيل الاستراتيجية، والاستدراج الإيراني عامل مهم في الأمر، هو ما يشجع إسرائيل على المضي قدماً في سياسة إلغاء الحقوق السياسية للفلسطينيين، بعد أن كانت معادلة قبول الوجود الإسرائيلي في المنطقة مرتبطة بتلبية الحقوق الفلسطينية، وقد جسدت ذلك المبادرة العربية للسلام التي وفرت إجماعاً عربياً وإسلامياً سياسياً حول معادلة تلائم الفلسطينيين؛ إذ تربط قبول إسرائيل والتطبيع معها بتلبيتها الحقوق الفلسطينية.

 

صحيح أن هذه المعادلة لم تنجح؛ إلا إنها كانت رصيداً ذا شأن لمصلحة الفلسطينيين، وعلى الأقل فإنها أفضل بكثير من بديلها الذي يتجسد في تراجع هذه المعادلة لمصلحة حضور إسرائيلي أقوى في المنطقة دون أن تقدم أي تنازل للفلسطينيين.

 

هذا تغيير كارثي بالنسبة للفلسطينيين، وبدأت أعراضه في الظهور الفادح فيما تفعله إسرائيل الآن؛ حيث وضعت أبسط الحقوق الفلسطينية وراء ظهرها، بل اختصرتها إلى أضيق نطاق وفق معادلة مقايضة الحقوق السياسية ببعض المزايا المالية.

 

لن يدخل الفلسطينيون في سجال مع إيران، فالفلسطينيون في غنى عن هذا، إلا أن من حقهم وهم يواجهون خصماً أقوى منهم بكثير وتتعزز قوته في محيطهم، أن يتقدموا بالتماس مهذّب للقيادة الإيرانية التي ترى نفسها على حق في كل ما تقول وتفعل... مفاده: افعلوا ما تشاءون في بلادكم وقراراتكم، ولكن يؤذينا كثيراً أن تكون فلسطين غطاءً لما لا شأن لها به.