بدخول أزمة قبرشمون، كواحدة من أكثر الأزمات السياسية تعقيداً في لبنان، شهرَها الثاني، تبدو البلاد ليست على كفّ «عفريت»، بل «عفاريت» تقبض على البلد، وتصارع نفسَها، وتتصارع في ما بينها، وأولويّتها مصالحُها.. إنّه «زمنُ العفاريت»، كما يقال في الكثير من المجالس السياسية!
 

الاشتباكُ السياسيّ المحتدِم، يسلك يوماً بعد آخر الطريق الى منعطف اللاعودة، خصوصاً بعد التراشق بالمدفعية الكلامية الثقيلة بين قصر المختارة، عبر المؤتمر الصحافي للوزير وائل أبو فاعور، وقصر بعبدا، من خلال الموقف الصريح للرئيس العماد ميشال عون، وبطبيعة الحال الوزير جبران باسيل، في شأن محاولة الاغتيال المفترَضة التي تنطوي عليها حادثة قبرشمون!

من هنا، يبدو المشهد السياسي الراهن، مسرحاً علنيّاً لمواجهة بين مصالح متضاربة، تدور في ظاهرها حول معركة مبكرة، متصلة بالاستحقاق الرئاسي مع اقتراب عهد الرئيس عون من بلوغ المنتصف في تشرين الأول المقبل، ولكنها في الحقيقة تصارُعُ مصالح، عمرُه من عمر الطائف نفسِه، ضمن مروحةٍ واسعة، تبدأ بالصلاحيات… ولا تنتهي عند الكسارات.

معركة المصالح تلك، ليست متصلةً بحادثة قبرشمون نفسها، فهذه الأزمة الأخيرة أتت لتكشفَ الطبقة الحاكمة بأكملها، وبكل تحالفاتها الثابتة والمتحوِّلة. لكنّ أخطر ما فيها، وكما يقال في المجالس السياسية، إنها باتت بعد الحادثة، قائمة على ثنائية محددة، تبدو أنها تسعى من خلال وليد جنبلاط وجبران باسيل إلى استعادة الثنائية التاريخية بين كمال جنبلاط وكميل شمعون، مع أنّ الأول ليس كأبيه، والثاني ليس كبطريرك السياسة في لبنان. أيام كان حاضراً في صدارة الحياة السياسية في لبنان.

الفارق بين الثنائيّتين شاسع، بقدر ما كانت شاسعةً المساحةُ بين ما كان يمثله «الرفيق» كمال بك، من توجّهات عروبية ويسارية، وبين ما كان يمثله كميل شمعون من توجّهٍ يميني بكل ما فيه من امتدادات متصلة بسياسة الأحلاف الإقليمية والدولية.

في الحالة الراهنة لا يدور الحديث عن برنامج إصلاحي للنظام اللبناني المشكو منه، ولا طموحات خلّاقة لربط لبنان بالغرب. اليوم، كل البلد مستباح للخارج، والصراعات الإقليمية والدولية لم تعد في حاجة إلى لاعبين كبار. يكفي تعويمُ شخصية مغمورة، ببضعة ملايين من الدولارات، حتى تكرّس زعامة طفيلية ضد هذا القطب أو ذاك.

لكن الأهم أنّ «الأقطاب» نفسَها لم تعد حاملةً لبرنامج وطني، اختلف معه المرء أم اتفق، فهو صراع مصالح، بالشكل الزبائني المفضوح، الذي يجعل اللعبة السياسية مجرد ألعاب صبيانية، لا تأخذ في الحسبان لا العواصف الخارجية الملامِسة للبنان، والذي سرعان ما سيصبح في قلبها، ولا الكارثة الاقتصادية التي ينذر بها خبراء المال.

الخطورة الثانية، وهي متفرّعة من خطورة الثنائية الجنبلاطية-الباسيلية، تكمن في أنّ الخريطة السياسية الداخلية باتت معقّدة لدرجة أنّ أحداً لم يعد قادراً على لعب دور «الناظر» بين الصبيان، أو ربما العاقل القادر على اتّخاذ ما يكفي من إجراءات وقائية لمنع اندلاع النيران، أو الإطفائي الذي يمكنه إخمادها في حال اندلعت.

رئيس الجمهورية في منطق الدستور هو الحكم، لكنه في منطق الخصوم ليس حكماً، وتبعاًَ لذلك لا يستطيع القيام بهذا الدور - في هذه الأزمة-، خاصة وأنه اختار الانحيازَ التام لسياساتِ صهره، وبشكل لا يخفى على أحد، وفق ما لخّصته عبارة «قوم بوس تيريز» التي أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي قبل أيام، يومَ استخدمها سمير جعجع في وصف إصرار الرئيس على ضرورة التفاهم مع باسيل حصراً في كل صغيرة وكبيرة.

في المعسكر المسيحي أيضاً، لم يعد أحدٌ قادراً على تشكيل حالة يمكن الركون إليها لاحتواء التمدّد الباسيلي، الذي يسعى على ما يبدو في تحركاته إلى ترسيخ ما يشبه «الدولة العميقة» التي ستؤازر فريقَه وزارياً، وقد تؤازره رئاسياً، في حال تمكن من أن يصبح خليفةً لعمّه في القصر الرئاسي.

سمير جعجع يقف في موقع المراقب المقتنص للأخطاء العونية، وإن بدا مدركاً بشكل أو بآخر أنّ فرصه الرئاسية تبقى شبه معدومة في حال استمرت التوافقات المسمّاة «ديموقراطية توافقية»، ولم يحدث ما ليس في حسبان أحد من تحوّلات كاسرة للتوازن الداخلي.

سليمان فرنجيه أيضاً يبدو غائباً عن المعادلة أمام المدّ الباسيلي، بادياً في حالة اعتكاف، أو ربما تقاعد لصالح ابنه طوني، مراهناً على ما يبدو على الوعد الضمني من «حزب الله»، إبان الاستحقاق الرئاسي السابق، أو بمعنى آخر على عدم حصول جبران باسيل، حتى الآن، على «كلمة الشرف» نفسها التي حصل عليها ميشال عون من السيد حسن نصرالله.

على نحو مماثل لا يبدو سعد الحريري قادراً على القيام بأيّ تحرك، خصوصاً أنّ هامش المناورة لديه يتراجع على وقع متغيرات شخصية وسياسية، تتصل بداية باعتزاز الصورة، بعد «موقعة السعودية»، والأهم ببروز شخصيات جديدة منافِسة على الساحة السنّية، وهي تتحيّن الفرصة المناسبة للانقلاب على زعامته بدعم بعض دول الخليج.

في الواقع لم يعد لسعد الحريري من رصيد سوى الدعم الخارجي المتصل حصراً بأموال مؤتمر «سيدر» المنتظرة، ولذلك لم يعد يمتلك من أدوات سوى الوعظ والتحذير… دونما حتى امتلاك قدرة التلويح بالاستقالة أو الاعتكاف!

أما الرئيس نبيه بري، وعلى رغم كونه الأكثر قدرة على القيام بدور الحكم أو الإطفائي، كما فعل حين جمع سعد الحريري ووليد جنبلاط لاحتواء تداعيات موقعة قبرشمون، إلّا أنّ انحدار الحياة السياسية يجعل من العبث الحديث عن دور وسيط له في اللعبة الصبيانية الدائرة، على طريقة المثل الشعبي الشهير «قاضي الأولاد شنق حاله». وها هو اليوم يجاهر بصرخة في صحراء الأزمة: آخ يا بلدنا».. كتعبير عن عمق حنقه ممّا يجري على كل المستويات.

أما وأنّ الحال هكذا، وبغياب الوسيط الداخلي والدولي، يبدو من الصعب تقدير ما ستؤول إليه أحوال لبنان، خلال الأشهر القليلة المقبلة، خصوصاً إذا استمرّ الشلل الحكومي القائم، وتعطلت الفرصة الأخير للإصلاح المالي، رغم مفاعيله الموضعية فحسب، ولا سيما في ظلّ التوقعات القاتمة بشأن المؤشرات الاقتصادية، وبدء الحديث عن خيارات كارثية، من قبيل تحرير سعر صرف الليرة اللبنانية، أو تسييل الذهب، أو ربما خفض سقف السحوبات على الودائع المصرفية، أو على الأقل «التضحية بالمكتسبات» الشعبية... إن وُجدت!

ثمّة مَن يتحدث اليوم عن سيناريو قبرصي أو يوناني في سياق الانهيار الاقتصادي. لكنّ المتوقعين بسيناريو من هذا القبيل، ما زالوا يحملون في اعماقهم شيئاً من التفاؤل في إمكان احتواء هذه الأزمة وإبعاد لبنان عن المنعطف المؤدي إلى اليونان أو قبرص، ولكنّ الشرط الأساس لهذا الاحتواء هو توفر «الراعي الصالح» الذي يمتلك قدرةً ما فوق العادية لتجنيب البلد الانفجار الكبير الذي سيؤدي حتماً الى الانهيار الأكبر. وحتى الآن لا هذا الراعي موجوداً، ولا الإرادة السياسية لدى الطبقة الحاكمة، في استحضار هذا الراعي، أو القيام مقامه ولو موقتاً. 

خلاصة الكلام، أنه في الحالة اللبنانية، فإنّ الانهيار الاقتصادي يعني الحرب الأهلية، طالما أنّ العنصر الوحيد الذي ضمن السلم الأهلي المزعوم منذ الطائف حتى اليوم، ليس سوى مصلحة مشتركة بين أطراف مستفيدين من هذا النظام بتطبيقات انتقائية واستنسابية، وفرض أعراف جديدة تناقض الطائف وتخرج عليه، والأنكى من كل ذلك أنّ هؤلاء الاطراف، وكل في موقعه متفقون على سلب ما تبقى من مال عام إلى حساباتهم!