منذ أن فُتح موضوع احتمال طلب لبنان تنفيذ خطة انقاذ اقتصادية عبر صندوق النقد الدولي، تحوّل هذا الملف الى حديث الساعة في الاوساط الاقتصادية والشعبية. ورغم انّ الطرح بدا وكأنه «بعبع»، إلّا انّ خبراء يؤكّدون ايجابيته ويشجعون على ان تعتمد الحكومة هذا الخيار الانقاذي.
 

إنطلق الحديث في الايام القليلة الماضية عن امكانية طلب لبنان مساعدة صندوق النقد الدولي لتنفيذ برنامج انقاذي، خصوصاً انّ الصندوق سبق وأعدّ اقتراحاته واجراءاته اللازمة لانقاذ لبنان، وقد ألمح لها رئيس الحكومة سعد الحريري في «زلّة لسان» خلال جلسات مجلس النواب لمناقشة موازنة 2019.

 

في هذا الاطار، أمل كبير الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد التمويل الدولي (Institute of International Finance IIF) د.غربيس ايراديان، في أن تطلب السلطات اللبنانية مساعدة صندوق النقد الدولي، «لانّ تجربة العديد من البلدان أظهرت أنّ تدخّل صندوق النقد الدولي كانت نتائجه ايجابية».

 

وشرح انّ برامج صندوق النقد الدولي الانقاذية تهدف إلى إعطاء البلدان مساحة لتنفيذ سياسات الاصلاح اللازمة، والتي تعيد استقرار الاقتصاد الكلي وتحقق نمواً أكبر ومستداماً في المدى المتوسط، «نظرًا لأنّ برامج إقراض صندوق النقد الدولي عادة ما تكون مترافقة بمجموعة من إجراءات السياسات التصحيحية».

 

واكّد ايراديان لـ«الجمهورية»، انّ ايجابيات طلب لبنان مساعدة صندوق النقد الدولي تفوق بأضعاف التداعيات السلبية التي قد تطرأ في حال لم ينفذ لبنان برنامج انقاذ مع صندوق النقد، مشيراً الى انّ «ردود الفعل السلبية ستظهر في البداية، وستُطرح التساؤلات من قبل المستثمرين عن مدى صعوبة الوضع المالي والاقتصادي في لبنان، إلّا انّ هذه الاجواء سرعان ما ستتبدّل، حيث اظهرت تجارب دول المنطقة التي نفذت برامج صندوق النقد الدولي، انّ ثقة المستثمرين تتحسّن مع بدء تنفيذ الاصلاحات، ومجرّد الالتزام مع مؤسسة دولية كصندوق النقد يبعث بإشارات ايجابية للاسواق الخارجية والمستثمرين الاجانب».

 

وقال ايراديان، انّ الالتزام ببرنامج صندوق النقد الدولي لا يعني مطلقاً انه سيتم خفض سعر صرف الليرة، «وهذا ليس توجّه صندوق النقد، الذي لا يمكنه فرض أي تعديل لسعر الصرف، خصوصاً انّ تثبيت الليرة قائم منذ اكثر من 25 عاماً».

 

كما لفت الى انّ طلب مساعدة صندوق النقد الدولي لا يعني ان لبنان دولة مفلسة، «طالما اننا نملك احتياطات كافية، منها احتياطي الذهب (حوالى 16 مليار دولار) واحتياطي مصرف لبنان من العملات الاجنبية (35 مليار دولار)، علماً انّ احتياطي السيولة في مصرف لبنان يكفي لتمويل استحقاقات العام 2019 و2020».

 

واشار ايراديان الى انّ الاجراءات التي قد يفرضها صندوق النقد ضمن برنامجه، متعلّقة بالاصلاحات المالية التي تمّ البدء بتنفيذها من قبل الحكومة، واصلاحات هيكلية اخرى يتم الاتفاق عليها، قد تتضمن: رفع الضريبة على القيمة المضافة تدريجياً، زيادة الضريبة على الوقود، مكافحة التهرّب الضريبي الذي لا تتوفر في لبنان الارادة السياسية القويّة بعد لتطبيقه، ومحاربة الفساد...

 

وشرح انّ برامج صندوق النقد الدولي عديدة ومختلفة، ويمكن للبنان ان يلجأ الى البرنامج الذي اعتمده المغرب وهو برنامج «الوقاية والسيولة»، أي خط ائتمان احتياطي يمكن استخدامه عندما تدعو الحاجة لاهداف تغطية عجز ميزان المدفوعات او تمويل اي استحقاقات... «وهذا الإجراء الوقائي سيرسل اشارات ايجابية بانّ لبنان لا يحتاج الاموال كونه يملك احتياطياً كبيراً، لكنه ملتزم ببرنامج صندوق النقد الدولي الوقائي».

 

وذكر ايراديان، انّ التزام لبنان ببرنامج صندوق النقد الدولي سيؤدي الى زيادة التدفقات المالية ويؤمّن استثمارات جديدة بالاضافة الى اموال «سيدر»، حيث انّ «صبغة» صندوق النقد لدولي ستعيد الثقة بلبنان وستحفّز مؤسسات التصنيف على تحسين نظرتها.

 

في الختام، اشار ايراديان الى انه في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تنفذ مصر والأردن والمغرب برامج لصندوق النقد الدولي، حيث حصلت المغرب منذ العام 2012، على أربعة قروض في إطار ما يُعرف ببرنامج «الوقاية والسيولة». وتنفذ الاردن المرحلة الاخيرة من برنامج إصلاح يدعمه اتفاق مع الصندوق لمدة ثلاث سنوات في إطار تسهيل الصندوق الممدد (EFF).

 

كما وصل برنامج التمويل المقدّم من صندوق النقد الدولى الى مصر، بقيمة 12 مليار دولار، لدعم برامج الإصلاح الاقتصادى الذي طبقته مصر على مدى 3 سنوات، إلى محطته النهائية، بالموافقة يوم الاثنين الماضي، على صرف الشريحة الأخيرة لمصر بقيمة 2 مليار دولار، لدعم الاحتياطي والموازنة العامة للدولة.

 

مبيّض

من جهتها، لمست كبيرة الاقتصاديين في مصرف «جيفريز إنترناشيونال» عليا مبيّض «انّ هناك قناعة متزايدة لدى المستثمرين بأنّ الطبقة السياسية في لبنان ليست فقط غير قادرة على الإصلاح ، بل إنها غير مستعدة للقيام بذلك، كما اتّضح من خلال مناقشات موازنة 2019».

 

لكنّ هل يعني ذلك انّ لبنان بحاجة لطلب مساعدة صندوق النقد الدولي؟

 

قالت مبيّض لـ«الجمهورية»: «من الناحية النظرية، نعم، لأنّ لبنان يعاني من أزمة كبيرة في ميزان مدفوعاته، مع تجاوز احتياجاته التمويلية الخارجية السنوية نسبة 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، علماً انه غير قادر على تأمين هذه السيولة الاجنبية، مما زاد الضغط على احتياطه من العملات الأجنبية».

 

لكن من الناحية التطبيقية، رأت مبيّض، انّ لجوء لبنان الى صندوق النقد الدولي لا يمكن ان يكون حلّاً من دون توفر 3 شروط هي لسوء الحظ غير متوافرة اليوم وهي:

 

- التزام جدّي من قبل الحكومة اللبنانية بتطبيق الإصلاحات.

 

- خطة للتصحيح المالي والاستقرار الماكرو-اقتصادي للسنوات 2020-2023 تحصل على توافق مجتمعي واسع ودعم كافة الافرقاء السياسيين.

 

- فريق اقتصادي ذو كفاءة وخبرة ومصداقية عالية جدّاً في مختلف مؤسسات الدولة المعنية بالسياسات المالية الاقتصادية والاجتماعية على حدّ سواء.