تكثر الملفات المطروحة التي تسبّب شرخاً طائفياً، فتُعيد فرز الكلام الطائفي نفسه الذي كان يُسمع في الشوارع قبل اندلاع الحرب الأهلية في 1975، فيُستعاد في 2019 عبر أحدث وسائل التواصل الاجتماعي. تتجسّد المشهدية أخيراً كالآتي: الوزير جبران باسيل يثير قضية، تشتعل الردود المضادة، تتأهّب الردود المدافعة، يلحق البعض الموجة بمجاراة «التيار» أو السير عكسه... إلى حين إغلاق القضية باتفاق أو تسوية ما أو تطوّر القضية إلى أمد غير معروف كحادثة قبرشمون. المشهديّة نفسها تكررت مع إصرار باسيل على إسقاط المادة 80 من الموازنة، و»القوات اللبنانية» تلتزم الصمت إلى الآن.
 

أن يقول رئيس «التيار الوطني الحر»: «فلتسقط كل الموازنة إذا كان الأمر كذلك»، رافضاً إمرار المادة 80 من الموازنة المتعلقة بحفظ حق الناجحين في مباريات مجلس الخدمة المدنية، بسبب اتفاق مُسبق على حدّ قوله، فهو موقف علني جريء يثير كثيراً من ردود الفعل والحساسيات.

تمسُّك باسيل بإسقاط هذه المادة من الموازنة، مُتّكلاً على دعم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، تحت عنوان أنّ غالبية الناجحين من الطوائف الإسلامية، ما يخلّ بالتوازن، موقف أدّى إلى «مواقف طائفية» مواجهة. وفضلاً عن تصريحات نواب وفاعليات، امتلأت مواقع التواصل الإجتماعي بمواقف منددة بـ»طائفية باسيل» ومواقف أخرى واجهت موقفه بتذكيره أنّ عدد المسلمين يتخطّى عدد المسيحيين في لبنان، وبالتالي لا يحق له المطالبة بالمناصفة أو الاعتراض على خلل طائفي. في المقابل تبرز أصوات مدافعة عن اعتماد الكفاءة بالتوظيف بصرف النظر عن أيّ خلفيات أو معايير طائفية. ويدعم كلّ طرف موقفه بتفسيرٍ لمواد دستورية يلائم وجهة نظره. 

وفي حين يُنتظر موقف رئيس الجمهورية من هذه الإشكالية، وإن كان سيكتفي بتوقيع الموازنة أو سيردّها إلى مجلس النواب، ومن ثمّ يُصار إلى تقديم تكتل «لبنان القوي» اقتراح قانون معجّل مكرّر وإيجاد مخارج قانونية لإسقاطها، يبرز صمت «القوات». ويتهمها بعض مناصري «التيار» بالانكفاء عن مناصرة حقوق المسيحيين «نكاية» بباسيل فقط.

بالنسبة إلى «القوات» إنّ «أهمية أي موضوع يُطرح أو يُناقش تكمن في أسلوب مقاربة القضية». وفي هذا السياق، ترى أنّ «الأسلوب الذي يقارب فيه باسيل القضايا المطروحة، هو أسلوب مُستفز ويثير انقسامات. وهذا ما يحصل حيال المادة 80، فيما أنّ أموراً حساسة كهذه يجب أن تعالج بين القيادات بغية الوصول إلى تصوّر ومخرج يجنّب عودة الشحن الطائفي. وبالتالي، يجب التبَصّر بطريقة مقاربة أمور من هذا النوع، التي يجب أن لا تُقارب انطلاقاً من خلفيات وأهداف شعبوية». 

إذاً، موقف «القوات» هو «المزاوجة ما بين التوازن الذي هو ضروري وعلّة وجود لبنان، وبين الآليات القانونية إذا كانت صحيحة بعيداً من أي رشوة أو «زعبرة»، بغية التأسيس لدولة المواطنة في لبنان، التي يشعر فيها المواطن أنه عندما يلجأ إلى الدستور والقوانين يصل إلى المواقع التي يجب أن يتبوأها». وعن موقفها «الضبابي» بالنسبة إلى البعض وعدم وقوفها إلى جانب «التيار» في «قضية مسيحية»، تقول مصادر «القوات» لـ«الجمهورية»: «لا يستطيع أحد أن يزايد على «القوات» في موقفها من موضوع التوازن والشراكة. فـ«القوات» لم تنتخب خصمها التاريخي اللدود العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية إلّا من أجل الشراكة، ولتثبيت التوازن بين الرئاسات، الذي كان مفقوداً منذ التسعين إلى اليوم. وانتخابها عون كان هدفه الرئيسي أن يعكس الرئيس تطلعات البيئة التي خرج منها، لا أن يكون غريباً عنها».

وتشير إلى أنّ «القوات كانت في طليعة السّاعين إلى إقرار قانون انتخابي يحقق المناصفة والشراكة، ويعيد تصحيح الخلل الميثاقي على المستوى النيابي. وبالتالي إنّ موقفها معروف لجهة ضرورة أن يكون لبنان ميثاقياً، ليس فقط نصاً إنما روحاً، لأنّ علة وجود لبنان هي الجانب الميثاقي الذي لا ينبغي إهماله. وعندما يسقط الميثاق يسقط لبنان كفكرة وكنموذج وكوطن رسالة».

ويشير عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب فادي سعد لـ«الجمهورية» إلى أنّ «النائب جورج عقيص أجرى مداخلة خلال جلسة التصويت على الموازنة، فحواها أنّ هذه المادة يكتنفها بعض الغموض ويجب أن تتوضّح أكثر». ويوضح أنّ «المادة صُدّقت بلا تصويت إذ لم يتمّ الإعتراض عليها»، لافتاً إلى أنّ «نواب تكتل «لبنان القوي» كانوا موجودين جميعاً». وإذ يسأل: «كيف وصلت هذه المادة إلى الهيئة العامة من لجنة المال والموازنة التي يترأسها النائب ابراهيم كنعان»؟ يقول: «تفاجأنا لاحقاً باعتراض الوزير باسيل ونية الرئيس رَدّ الموازنة بسبب هذه المادة». ويوضح: «إعترَضنا في الجلسة على أنّ المادة يشوبها غموض، خصوصاً لناحية أنّ القانون ينص على سقوط حق من نجحوا في التوظيف بعد سنتين من نجاحهم. ورأينا أن هذه المادة تتطلب توضيحاً قانونياً».

وعن موقف «القوات» إذا أُعيد البحث في المادة 80 في مجلس النواب، يجيب سعد: «لكل حادث حديث». ويضيف: «نحن مع الكفاءة، ونشجّع المسيحيين على الانخراط في الدولة. ونحن مع احترام التوازن والكفاءة في الوقت نفسه. المبدأ لا يلغي الآخر. ويجب البحث في سبب الخلل الكبير في التوازن على كل المستويات، لكن ليس بالعنتريات والتحدي. يكفي «شَد العصب» الطائفي على حساب الدولة».