أسافر في مطارات العالم فأرى من حولي أناساً ذاهبين إلى كل جهات الأرض. كل واحد منهم معه هويته وبطاقة سفره، ومعه العنوانان: من أين جاء؟ وإلى أين يذهب؟ بعضهم في عطلة، وبعضهم في متعة، وبعضهم في عمل. ومعظمهم عاديون في حياة عادية، ليسوا خائفين من أحد: لا حيث يذهبون ولا من حيث أتوا. وليسوا جائعين. وليسوا مُذَلّين. وأحرار. وأكثرهم لم يعد يتذكر كلمة حرية أو يستخدمها. لقد اعتادها أمراً مفروغاً منه مثل الهواء والماء. شعوبنا وحدها لا تسافر من الموانئ ولا تهبط فيها. شعوبنا معابر سرية في الذهاب والإياب. وغالباً بلا عودة. ومن لم يغادر فلأنه لا يملك هذا الترف. معي في الطائرة صبية صينية جميلة من بلاد كونفوشيوس وإمبراطورية زن. أو من. أو تشاو. واحدة من 300 مليون صيني قيل إنهم يجوبون العالم هذا العام. وهناك لغات أخرى لا أفهمها، وأطفال وشبان بيوتهم على أكتافهم في حقائب صغيرة، ويتمتعون. حياتهم فيها عمل وفيها عطل وفيها ضمانات وفيها مستقبل. استغرقت الرحلة ساعة ونصف الساعة أمضيتها في طرح الأسئلة على جارتي الصينية التي تشبه «سنو وايت» في حكايات الأطفال. سألتها من أي منطقة في الصين، فقالت ضاحكة: مهما شرحت لك، فلن تعرف. فلنقل إنني من وسط البلاد. وهل الحياة اليوم عندكم أفضل من الماضي بكثير؟ وضحكت «سنو وايت» كأنها تريد أن ترميني من نافذة الطائرة، كأنما ما رمت به من سحر لا يكفي. عادة يريد مسافرو الجو تقصير الرحلات، الصبية الناصعة عكست قانون الأماني والتمنيات. وماذا لو كانت جارتي فتاة عربية؟ أولاً، لا أسئلة. فقد أوصانا عنترة بن شداد «وأغض طرفي ما بدت لي جارتي». وماذا أسألها؟ هل لك أخ أو أب في السجن، أو في البطالة، أو في دنيا اللجوء؟ يسافرون - الآخرون - في كل الاتجاهات، وتهرب شعوبنا في كل القفار والديار. والصين التي كان شعبها يعيش على كف من الأرز ترسل الآن 300 مليون سائح وسائحة حول العالم، بينهم ملكة جمال وسط الصين... وسائر المقاطعات.