... وصدَّقوا الموازنة كأنَّ شيئاً لم يكن.. وصدَّقوا أننا صدَّقناهم، كأنما لم يكُـنْ هناك لا هـدرٌ ولا نهبٌ ولا سلْبٌ، ولا إفلاس ولا اختلاس، والخيرُ يتدفّق على الناس غزيراً. وصدَّقنا، أنَّ الزيت المقدس يرشَحُ من جيوبهم فما لقيصر لقيصر، وما للّـه للّـه. إذا كانوا لا يصدّقون ما نقول.. فهل يصدّقون ما يقولون...؟

وزير المال، هو الذي قال في الجلسة البرلمانية لمناقشة الموازنة، واستناداً الى تقارير موثَّقة أعدّتها الأجهزة الأمنية، «إنّ هناك «136» معَبرَ تهريبٍ في لبنان تهدّد اقتصاد البلد وتساهمُ في عجزِ الموازنة وتقليص الواردات..»

هكذا... وعلى رؤوس الأشهاد، ومن دون أن تخِـرَّ رؤوسُ الوزراء والنواب خجلاً، حين يؤكّد وزير المال «أنَ لكلٍّ من هذه المعابر إسماً ولقباً وكنْيَـة»، وأنَّ أصحابها ليسوا من الفارين من وجه العدالة، بل هم معروفون من الدولة شخصياً.

ولكنْ، غابَ عن بـالِ وزير المال أنَّ هذه المعابر الجغرافية يُضاف إليها «128» معبراً نيابياً و«30» معبراً وزارياً، فإنْ أنتَ أقفلْتَ معبراً كانَ معبـر، وإنْ أنتَ داويتَ جرحاً سالَ جرحُ.

وثمةَ شاهدٌ من أهلـهِ آخر، هو النائب حسن فضل الله الذي يعلن «أنَّ الأجهزة القضائية بما فيها النيابة العامة المالية، لا تشجّع على مقاومة الفساد»، كأنه في ذلك يبرّىء ذمَّـة «حزب الله» الذي استنفر «حرساً ثوريّـاً» لمطاردة الفاسدين.

هؤلاء الذين عجزوا على مدى عشرين عاماً عن معالجة معبرٍ واحدٍ إسمه الكهرباء على ضخامة ما ينهمر فيه من الهدر، فكيف نأتـمنهم على «294» معبراً بين شرعي وغير شرعي..؟

وهؤلاء الذين استأخروا استخراج النفط على مدى ثلاثٍ من السنين وهم يتقاتلون على اقتسام السمك وهو في البحر، فكيف نأتـمنُ هذا «الحوتَ» الذي لا يتورَّع عن ابتلاع النبي يونان، ولم يقذفْـهُ الى البـرّ ليدعوَ أهلَ «نينوى» في العراق الى التوبة.

الدولة التي تعجز عن ردع الحيتان الشرعيين عن معابرها، فكيف تتمكن من ضبط المعابر غير الشرعية؟

والدولة التي تعجز عن إستعادة المال المسلوب من الجيوب، فكيف تستطيع أن تقمع أعمال السلب ما زال هناك من يتذرّع بالحصانة، والذي لا حصانة له يتحصّن بالمحصّنين...؟

إنّ كنتم تعجزون عن المحاسبة بالقصاص القانوني، مع أنَّ لهم «ولكم في القصاص حياة»... حاسبوهم بالتسمية على الأقل، سموّهم بالألقاب، بالعلامات المرمَّـزة، إن لم يكن حرصاً على ماء الوجه، فاحتراماً لهذا «البغل» الذي إسمه الرأي العام، حسب وصف الأديب سعيد تقي الدين، هذا الذي تركبون على ظهره ولم يعد يحتمل اللَّسع بالمهمازين على الخاصرتين.

الذين يستمرّون في استخدام هذا «البغل» مطيّةً، ليرفعوا لأنفسهم أنصاباً تذكاريةً وتماثيل يحيون بها بعد الموت، فإنهم إنْ سلموا من حوافر «البغل»، فقد تلاحقهم اللعنة الى القبور، هكذا حمل سكان إفريقيا الوسطى تمثال «بوكاسا» ودفنوه في مدافن البلدية إنتقاماً لما ارتكب من مظالـم منافية لمصلحة الشعب وحقوق الإنسان.