كان على إيران أن تفهم أن مشكلتها تقع خارج الأمن الخليجي وأن عليها أن تحل تلك المشكلة بعيدا عن المساس بأمن الخليج. تلك مسألة حساسة هي في غنى عن التورط فيها.
 

لا يصدق الإيرانيون أن مهنة “شرطي الخليج” لم يعد لها وجود. بالنسبة للعالم فإنها فكرة مضحكة. أن يُسلم أمن الخليج إلى قرصان معتوه وأبله ومتخلف ومجنون. سيكون من الصائب أن يتم إلقاء القبض على ذلك القرصان وإيداعه السجن بتهمة الإزعاج. لذلك يمكن القول إن الإيرانيين يفاوضون العالم على وهم.

أولا “لا أحد فوّضهم في القيام بتلك المهمة التي لا يملكون الحد الأدنى من النزاهة للقيام بها إذا ما افترضنا أن الشرطي يقوم بواجب الحراسة وتأمين السلامة للجميع بحيادية مطلقة”.

ثانيا “وضع الإيرانيون أنفسهم في حالة حرب ضد دول وشعوب المنطقة انطلاقا من سياستهم التي تعتمد على تصدير الثورة. وهم لذلك ليسوا موقع ثقة بالنسبة للدول التي تقاسمهم الخليج”.

ثالثا “للدول العظمى مصالح في الخليج، من الصعب أن تضمن أمنها في ظل وجود نظام عدواني، لا يؤمن بالقانون الدولي مثل نظام الملالي. وهو ما يفسر وجود البوارج الحربية الغربية في الخليج وقريبا منه”.

بعد كل هذا يودع النظام الإيراني كل الأزمات التي خلقها في المنطقة في خزانة مقفلة ليطرح مشروع أن يقوم بوظيفة شرطي الخليج التي لا يرغب أحد فيها. وهو ما يشير إلى أن ذلك النظام إما أن يكون منفصلا عن العصر بحيث لا يستطيع استيعاب ما يجري من حوله في العالم من تغييرات وإما أنه يمارس الكذب علنا من أجل أن يضفي على قرصنته نوعا من الشرعية.

في الحالين فإن ذلك الشرطي سيكون بالنسبة للعالم أشبه بالمهرج.

إيران في حقيقة ما تفعله وهي تتصدى للعقوبات الأميركية القاسية إنما تمارس نوعا من التهريج الذي لن ينفعها مثلما لن تنفعها الوساطات التي يضحي أصحابها بكرامتهم. ذلك لأن إيران ستخذلهم.

واقعيا كان على إيران أن تفهم أن مشكلتها تقع خارج الأمن الخليجي وأن عليها أن تحل تلك المشكلة بعيدا عن المساس بأمن الخليج. تلك مسألة حساسة هي في غنى عن التورط فيها.

غير أن الملالي بسبب غبائهم السياسي وجدوا في مسألة أمن الخليج ما يمكن أن يدعم موقفهم في التفاوض مع المجتمع الدولي. وهي فكرة غير صحيحة. ذلك لأنها تزيد من عمق الشق الذي يفصلهم عن العالم. إنها تظهر سلوكهم العدواني حين يتمكنون. وهو ما يرفضه المجتمع الدولي.

ما لم يفهمه حكام إيران أن الشرطي الذي يعدون العالم به لم يعد ضروريا بل إن وجوده يشكل تهديدا لحرية حركة الملاحة في الخليج. ذلك لأن تلك الحركة لا تحتاج إلى شرطي. لقد تغير الزمن.

من الصعب أن يفهم نظام ظلامي متخلف مثل النظام الإيراني أن الزمن قد تغير. وأن “شرطي الخليج” صارت مهنة غير متداولة وتقع خارج الاستعمال. وأن كل شيء يتعلق بها هو ضرب من ضروب الوهم.

من خلال ذلك الوهم تسعى إلى تحسين شروط التفاوض مع الولايات المتحدة. فهي تفترض مثلا أن الولايات المتحدة ستغض الطرف عن مشروعها التوسعي في المنطقة إن هي خففت من عمليات القرصنة في الخليج.

تلك معادلة ليس لها أساس من الصحة.

فما يجري في الخليج شيء وما تضمنته الشروط الأميركية من عروض تفاوضية شيء آخر.

في الحالين فإن النظام الإيراني يعرض نفسه للمساءلة القانونية الدولية ومن ثم للعقاب. بمعنى أن القرصنة في الخليج ستزيد من إصرار الإدارة الأميركية على الاستمرار في فرض العقوبات وستؤدي إلى أن تحظى تلك العقوبات برضا أوروبي كامل.

سيكتشف الإيرانيون متأخرين أن فكرتهم الرثة عن “شرطي الخليج” قد عقدت مشكلتهم بدلا من أن تحلها وهو ما جعلهم أقرب إلى الحرب من السلم.