ليبيا التي تتنازعها الفوضى، والحروب بالوكالة، وعرقلة دولية لجيشها الوطني في تحرير بلاده من قبضة الميليشيات، هي ضحية تغييب متعمد للهوية السياسية للدولة، فليبيا كانت دولة ذات سيادة وهوية سياسية، من خلال دستور كتبه الآباء المؤسسون.


فليبيا التي تشكلت في عام 1951 مملكة متحدة ليبية، سرعان ما أصبحت مملكة موحدة في بضع سنين عام 1963. ومع تسلط ضباط الجيش عن السلطة في سبتمبر (أيلول) 1969، أصبحت ليبيا الجمهورية العربية الليبية واستنسخ قادة الانقلاب التيار الناصري وحتى تسمية الضباط الأحرار بعد إضافة الوحدويين لها.


واستمرت ليبيا دولة بهوية جمهورية إلى عام 1979 عندما أعلن «الأخ» العقيد هوية سياسية جديدة للدولة الليبية تحت اسم «الجماهيرية»، معلناً أنها أول جماهيرية في التاريخ في محاكاة لفرنسا أول جمهورية في التاريخ، وأصبحت بذلك ليبيا تحمل هوية سياسية جديدة يشوبها الغموض، نظراً لعدم وجود ضوابط ومفاهيم ثابتة لمفهوم «جماهيرية» الأخ العقيد التي استخرجها من بين سطور الكتاب الأخضر، الذي أطلق عليه «النظرية العالمية الثالثة وعصر الجماهير»، حيث انتقد فيه كل أشكال ممارسة الديمقراطية في العالم، وعلى رأسها النظام البرلماني، وإن كان أعاد صياغته في شكل برلمانات صغيرة شعبية أطلق عليها تسمية المؤتمرات الشعبية، التي تجتمع في جميع المدن كبرلمان مصغر في كل مدينة ليجتمع فيما بعد ممثلون عنها في مؤتمر الشعب العام (البرلمان)، معللاً ذلك بأن النظام النيابي تمثيل غيابي للشعب، لكن كل ذلك في نهاية الأمر بقي مجرد فكرة طوباوية، ومجرد اجتماعات لا يستمع إليها في اتخاذ القرار الذي احتفظ به «الأخ» العقيد لنفسه لإدارة البلاد من خلال رجال خيمته البدوية التي لا يمكن أن يدخلها سوى رجال النظام، وبعض الضيوف الأجانب، ومنها كانت تحكم ليبيا، لا من خلال المؤتمرات الشعبية التي كانت مجرد تجمعات تعبير شعبي ولم تكن حكماً شعبياً حقيقياً.


رغم «جماهيرية» العقيد وما تبعها من انتقادات خاصة محلية، فإن الدولة حافظت على كيانها الخارجي كدولة ذات سيادة، وتعاطت مع الدول وفق النظام الدولي، وإن تمسكت بتسميات كالأخ العقيد القائد بدلاً من فخامة الرئيس.
في فبراير (شباط) 2011، أسقطت الدولة الليبية وليس فقط نظام «الأخ العقيد»، ولم نعد نعرف إن كانت ليبيا، دولة ملكية أو جمهورية أو جماهيرية أو شعبية أو حتى ميليشياوية، فقد تنازعتها قوى فبراير التي جمعها العداء للقذافي وفرقتها هوية ليبيا السياسية، فجماعة الإخوان يردونها إلى دولة المرشد ولو كانت مجرد ولاية، بينما جماعة «داعش» اعتبروها مجموعة ولايات في خلافة البغدادي، بينما جماعة «القاعدة» لا مشروع دولة عندهم، إنما القتال ثم القتال ولا نهاية واضحة المعالم لمشروعهم.


جماعة الإخوان والمقاتلة (الفرع الليبي للقاعدة) استطاعت في غفلة من التاريخ الليبي الحديث خداع الناخبين بمرشحين لها قدمتهم في أول انتخابات برلمانية في ليبيا تحت اسم المؤتمر الوطني العام، الذي تسلل إليه جماعة الإخوان والمقاتلة واستطاعوا تغييب هوية الدولة واختصارها في كلمة «دولة ليبيا» دون تحديد نظام الحكم لهذه الدولة، وكعادة الإخوان في الخداع، استطاعوا تغييب منصب الرئيس، لأن جماعة الإخوان تعي تماماً أن انتخاب الرئيس في المرحلة الراهنة ليس من مصلحتها، لعدم وجود شعبية لهم كافية للفوز بمنصب الرئيس، كما عدم وجود شخصية مقنعة تمثل تنظيم الإخوان لشغل منصب الرئيس، وأيضاً لانعكاس فشل تجربة الرئاسة للتنظيم في مصر.
ولهذا تم تغييب منصب الرئيس الذي شغله رئيس المؤتمر الوطني العام، ثم انتقل بالتوريث إلى رئيس البرلمان، وبذلك تم تغييب منصب الرئيس ولكن المنفعة تقاسمها الإخوان وشاغلو المنصب.
ليبيا أزمتها الحالية تتمحور أساساً حول غياب أو تغييب أو فقدان الهوية السياسية، حيث كل طرف يحاول جذبها نحو الهوية التي يؤمن بها، وتناسوا جميعاً أن لليبيا شعباً هو صاحب القرار في نوع الهوية السياسية لبلاده عبر الاستفتاء الشعبي العام حول نوع نظام الحكم؛ ملكي أو جمهوري أو حتى جماهيري.