عدم وجود معارضة منظمة وقوية لا يعني استمرار كارثة شعب العراق، والرهان الكبير هو على هذا الحراك الشعبي إذا ما توفرت له قيادات منظمة. ومثال كل من السودان والجزائر يشير إلى هذه الحقيقة.
 

سبق لنائب الرئيس العراقي قبل عام 2003 طارق عزيز أن وصف أصحاب المعارضة العراقية بأنهم “مجاميع من اللصوص والقتلة والمأجورين”، وبذات الوصف قال الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل “العراق عبارة عن بنك استولى عليه مجموعة لصوص ليست لهم علاقة بالسياسة أو الحكم”.

 

هؤلاء أنفسهم الذين يحكمون العراق منذ عام 2003 إلى اليوم يصفون جميع معارضي العملية السياسية التي أسسها الحاكم الأميركي بول بريمر بأنهم “إرهابيون وداعشيون وبعثيون”، وضمنهم أولئك الذين عارضوا الاحتلال العسكري، ولعل الحكم النهائي يبقى لدى العراقيين سواء الذين تضرروا من النظام الاستبدادي السابق، أو غيرهم، حيث أصبحت الأضرار اليوم أكثر شمولية وقسوة وظلما إذْ تستهدف الإنسان في خبزه وصحته وتعليمه وأمنه قبل حريته.

يسود في هذا العهد استبداد وكتم للأفواه من نوع آخر وعلى حد قول بعض العراقيين “ذهب دكتاتور واحد واليوم هناك مئات الدكتاتوريين”. الحرية اليوم هي لمنظمات الإسلام السياسي الشيعي وزعاماته المهيمنة وفق دستور شرّع في ظل الاحتلال لصالح الزعامات الجديدة. ولو كانت للشعب مكانة في رؤوس قادة الأحزاب لتم استبدال الدستور فور خروج الاحتلال الأميركي عام 2011.

 

لقد عمت الفوضى الأمنية والسياسية ولا توجد حدود واضحة بين المسموح والمحرّم داخل ما سمي النظام “الديمقراطي” على أعقاب تهديم الدولة العراقية وفق الوصفة الأميركية التي فصلت السلطة على مقاسات المكونات الطائفية وبقيادة حكم الشيعة، لكن ممثليها من السياسيين أصبحوا أكثر بعدا عن طائفتهم لغلبة مصالحهم الذاتية الخاصة وغرقهم في بحر الفساد ونهب المال العام.

 

ورغم كل ما حصل من كوارث الاستئثار بالسلطة وهياكلها الحكومية لم تُستفز حفيظة الزعامات الحزبية، الشيعية والسنية، لبناء ما يمكن تسميته بالمعارضة داخل البرلمان لتشكل قوة ضغط حقيقية لتحقيق الإنجاز للناس رغم توفر الفرص الجديّة لذلك، لأن هذه الأحزاب لا تمتلك برامج ومناهج فكرية وسياسية تقاس وفقها الأحكام على سياسات الحكومة. جميع الأحزاب مشتركة في الحكم، ومنتجاتها في رئاسة الوزارة تتم بهيمنة الكتلة الطائفية الشيعية، ثم تطورت إلى انقسام شكلي لتلك الكتلة إلى مسميين لا يختلفان عن المنهج السياسي المؤسس منذ عام 2003.

 

كانت هناك فرصة جدّية أمام التيار الذي يقوده مقتدى الصدر خلال الانتخابات الأخيرة وبعدها، لامتلاكه مجاميع شعبية كادحة ومتضررة وفقيرة، لكي يشكل قوة معارضة حقيقية داخل البرلمان وخارجه، لكنه لم يلتزم بإعلانه الذهاب إلى المعارضة تحت عنوان “كتلة إنقاذ الوطن” ودخل في صفقات التوافق بعد التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لطهران التي شعرت بمخاطر قيام معارضة سياسية قوية قد تغيّر من اتجاهات العمل السياسي بما يناقض مصالح هيمنتها على العراق.

 

وبرز نوع جديد من المعارضة بما يمكن تسميته “بالزعل” تحت تأثير الإحباط من عدم الحصول على مناصب وزارية كقرار عمار الحكيم الذهاب إلى المعارضة البرلمانية، واعترف رئيس الهيئة العامة لتيار الحكمة حميد معلة “بأن عدم الحصول على أي منصب في الحكومة هو أحد الدوافع للذهاب صوب المعارضة”.

 

وحتى وفق نظام المحاصصة السيء كان أدعياء تمثيل السنة وعبر سنوات ما قبل انتخابات 2018 يشكون من التهميش وعدم التوازن، وكانت هناك أيضا فرصة لتشكيل كتلة معارضة برلمانية قوية إلى جانب المنادين بالمشروع الوطني من قبيل إياد علاوي وصالح المطلك وغيرهما، لكن منافع السلطة خطفت الزعامات السنية قبل أن يدخلوا بلعبة الاندماج والذوبان أخيرا في ظل الكتلتين الشيعيتين “البناء والإصلاح”، وانتهى دورهم تاريخيا إلى حين بروز قوى جديدة مؤمنة من بين السنة والشيعة تتوافق على برنامج وطني جدّي للتغيير السياسي.

 

من هنا لا توجد داخل العراق معارضة سياسية منظمة ضد النظام السياسي القائم، فالمعارضون الأكثر تصادما مع النظام القائم هم البعثيون بعد اجتثاث حزبهم وتجريم من يدافع عنه وعن أفكاره حتى لو تم ذلك مجازا.

 

إن النظام الديمقراطي الحقيقي هو الذي يعطي الفرص لقيام معارضة جدّية وفق الدستور، وهذا غير مسموح به في العراق بل يدخل في باب المؤامرة، وكان من الطبيعي ظهور تشكيلات لمعارضة الحكم خارج البلاد تتوزع على عناوين متعددة أبرزها، إضافة إلى حزب البعث المحظور، هيئة علماء المسلمين التي تلاشى دورها بعد رحيل زعيمها حارث الضاري.

 

وانعقدت خلال السنوات الماضية عدة مؤتمرات أبرزها مؤتمر باريس عام 2016 برعاية فرنسية الذي انبثق عنه ما سمي “بالمشروع الوطني العراقي” وبدعم الدوحة التي حولته بعد تفاهماتها مع بغداد وطهران إلى مشروع للعمل داخل خيمة العملية السياسية، ولم ينجح في ذلك كغيره من أصحاب المشاريع المعارضة التي انتهت إلى صفقات تتيح المشاركة في الحكم.

 

وخلال السنوات الثلاث الأخيرة تشكلت بعض التجمعات المعارضة مثل الهيئة التنسيقية للمعارضة العراقية، وكذلك مؤتمرات صغيرة أخرى في الولايات المتحدة وألمانيا، ورغم تعبيرها عن الإحباط السائد إلا أنها محدودة التأثير لفقدانها لقيادات ذات مواصفات كاريزمية وانعدام الدعم والرعاية الدولية والإقليمية، والأهم من ذلك هو أن كلا من واشنطن وطهران تدعمان بقوة النظام السياسي القائم ولا تسمحان بتغييره.

 

الفعالية الشعبية العراقية كان يمكن لها أن تتحول إلى قوة ضغط هائلة لتغيير بنية النظام السياسي والتي بدأت منذ عام 2011 وتبلورت بالحراك عبر التظاهرات عام 2015 وما بعده بساحة التحرير في بغداد، ثم حراك شباب البصرة الذي قمع بالسلاح واستشهد عدد من الناشطين فيه واعتقلوا بسبب الهجوم على القنصلية الإيرانية وبعض مقرات الأحزاب الحاكمة.

 

طبيعي أن الحراك الشعبي في العاصمة ومدن الجنوب غير مسموح به وحين يصل الشباب إلى مرحلة المطالبة بالتغيير فإنهم يقمعون من قبل الأجهزة الحكومية وميليشيات الأحزاب، رغم أن التظاهر حق يكفله الدستور.

 

إن عدم وجود معارضة قوية لا يعني استمرار كارثة شعب العراق، والرهان هو على هذا الحراك الشعبي إذا ما توفرت له قيادات منظمة. ومثال كل من السودان والجزائر يشير إلى هذه الحقيقة، بغض النظر عن التبريرات القائلة بدكتاتورية الحكم في هذين البلدين.