لماذا يطلب من لبنان واللبنانيين أن يدفعوا أثمانا لسياسة قررها سيّد البيت الأبيض ضد طهران هذه الأيام وقد يقرر غيرها، ونقيضها، هذا السيّد أو سيّد آخر على رأس أميركا.
 

كثّفت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة عقوبات على القادة الرئيسيين لحزب الله. وفرضت قبل أيام عقوبات طالت نائبين للحزب داخل مجلس النواب اللبناني (محمد رعد وأمين شري)، كما طالت مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق المركزية في الحزب (وفيق صفا).

 

وإذ يحرّض الحدث الأقلام على تسطير التحليلات والتبرع بتقديم التوقعات، فإن المسألة تحتاج إلى تأمّل وتأنّ، كما تفحّص لدوافع واشنطن وحيثيات قراراتها، والتدقيق في توقيت صدورها داخل سياق التصعيد الحاصل بين الولايات المتحدة وإيران.

 

تخطو واشنطن، هذه المرة، خطوة إضافية لافتة. تُلحق الإدارة الأميركية في نصّ قراراتها العقابية ضد الحزب، طلبا موجّها إلى الحكومة اللبنانية بقطع العلاقة مع الشخصيات التي فُرضت عليها العقوبات، الأمر يشكل سابقة في مقاربة الولايات المتحدة لطبيعة العلاقة التي تجمع النظام السياسي اللبناني بحزب الله.

 

الحدث جلل. ومع ذلك فإن الأمر، على أهميته، لا يسبب، ولا يجب أن يسبب، هلعا لحكومة بيروت وطبقتها السياسية. الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران ثنائية حتى إشعار آخر.  وباستثناء تحوّل طفيف في الموقف البريطاني لصالح الاقتراب من الموقف الأميركي (في الموقف من إيران وحزبها في لبنان)، فإن بقية دول العالم تنأى بنفسها، تتحفظ، تراقب، تتوسط، وبعضها يقدم نصحا بليدا أن “أحبوا بعضكم البعض”.

 

لم تتحرك الولايات المتحدة لتفرض عقوبات على حزب الله حين اشتُبه بأنه وراء سلسلة الاغتيالات التي طالت قيادات سياسية في لبنان منذ ما قبل اغتيال رفيق الحريري عام 2005. ولم يكن لها أي ردّ فعل حين قاد الحزب انقلابا على حكومة سعد الحريري عام 2011 حين كان الرجل مجتمعا برئيس الولايات المتحدة آنذاك باراك أوباما في مكتبه في البيت الأبيض.

 

ولم تتحرك واشنطن ولا حلفاؤها في العالم قبل ذلك حين احتل حزب الله العاصمة اللبنانية، وتقدم باتجاه جبله، في ما بات يطلق عليه “غزوة 7 أيار” عام 2008. بكلمة أخرى، لم تهتم الإدارة الأميركية لحال لبنان ومصيره، ذلك أن الاتفاق مع إيران كان عنوان الأوبامية آنذاك حتى لو أدى الأمر إلى الإطاحة بلبنان وساسته. ولا دليل على أن الإدارة الحالية مهتمة لشأن البلد ومصيره داخل سياق الترامبية التي جعلت من مواجهة إيران عنوانا لها.

 

والذي يتمعن في ردّ فعل رئيس الوزراء سعد الحريري حيال العقوبات الأميركية الجديدة، يدرك أن الرجل أكثر من يعرف الإدارة الأميركية وما يمكن أن تذهب إليه، وأكثر من خَبر إهمال واشنطن لمن يُعتبر في لبنان حليفا يتهمه الحزب بالعمالة لـ”الشيطان الأكبر”.

 

والذي يراقب جلّ ردود الفعل المتأنية التي صدرت عن الساسة المعتبرين خصوما للحزب، يستنتج مدى مناعة لبنان أمام المغريات الدولية، لاسيما تلك الأميركية، في وعودها بالتعامل مع الحالة النافرة للحزب داخل لبنان البلد والدولة.

 

لا يهم ما يخرج عن حزب الله وأمينه العام من ردود فعل ضد الولايات المتحدة وعقوباتها، فذلك أمر يخصّ إيران وحزبها ولا يخصّ لبنان. لملمت واشنطن خيبتها حين ضرب هذا الحزب ثكنة المارينز والسفارة الأميركية في بيروت، فلماذا مطلوب من لبنان واللبنانيين أن يدفعوا أثمانا لسياسة قررها سيّد البيت الأبيض ضد طهران هذه الأيام وقد يقرر غيرها، ونقيضها، هذا السيّد أو سيّد آخر على رأس أميركا.

 

تأخذ بيروت علما بالمستجد. وهو مهم وبارز. لكنه ما زال تحت سقف المتوقع. لا تهدد العقوبات الأميركية الحكومة اللبنانية ولا تهدد الاستقرار في البلاد. العقوبات، حتى في آخر نسخها، تقليدية رتيبة في استهدافها للحزب دون غيره. وحتى مع تطور هذه العقوبات، كما يهوّل البعض، لتطال شخصيات من خارج الحزب، ومن خارج البيئة الحاضنة المباشرة، فإن واشنطن لا ترسل جديدا من الممكن أن يقلق الحزب أو يقلق لبنان واللبنانيين.

 

لا شيء في سياق التصعيد الحالي داخل الملف الإيراني يوحي بتحوّلات تمنح لبنان معطيات جديدة كبرى. لا شيء في ملف سوريا يؤشر إلى تبدل في خارطة التوازنات بما يتداعى مباشرة على خرائط تطال لبنان وطبيعة دوره.

 

ولا شيء في طبيعة علاقات لبنان مع العالم يوحي بأن المسألة باتت تحتاج إلى ورشة كبرى في لبنان حتى لو أدى الأمر إلى المخاطرة باستقرار البلد وسلمه الأهلي. لا تشي تركيبة النظام السياسي الحالي في لبنان، والذي لقي رعاية إقليمية ودولية، بأن العالم يطلب من لبنان دورا جديدا خارجا عن سياق الممكن والمتاح.

 

تعرف واشنطن أن الحزب يملك مع حلفائه الأغلبية في البرلمان وأكثر من الثلث المعطّل داخل الحكومة، وبالتالي تعرف جيدا أن “دولة حزب الله” لن تنقلب على نفسها وتتخذ موقفا ضد نفسها، انصياعا لفقرة خطّها كاتب في وزارة الخارجية الأميركية يطلب فيها من بيروت أن تقطع الوصل مع هذا الحزب.

 

على هذا، وبناء على هذا الطلب بالذات، تُرفق الولايات المتحدة قراراتها العقابية الأخيرة بملحق خاص بحكومة لبنان يُفقد القرارات والعقوبات جسارتها وجديتها. فإذا ما كانت إيران تعتبر بيروت من العواصم الساقطة في أحضانها، فكيف للولايات المتحدة، وهي الدولة الكبرى، أن تتسلى وتستخف بهذا الواقع الجيوستراتيجي، الذي لم يثبت نقيضه، والذي يفرض حكما بأن تدفن بيروت رأسها في الرمال.

 

تضيف العقوبات الجديدة التي طالت رعد وشري وصفا لمستوى آخر من مستويات الارتجال التي وسمت السياسة الأميركية منذ قرار ترامب سحب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران في 8 مايو 2018. لم تُحدث تلك العقوبات أي تراجع إيراني. لم تنجح الوساطات المتتالية والمتعددة في إحداث أي ثغرة في الجدار الإيراني. ولم تفجّر الضغوط الأميركية، حتى الآن، ما كانت لمّحت إليه إدارة ترامب من ثورة داخلية تهزّ أركان النظام في طهران.

 

يتفرج العالم بأجمعه على التصعيد الأميركي الإيراني ويتأمل السجال المشهدي بين الشخوص الأميركية ونظرائها في إيران، فلماذا يطلب من بيروت أن تغادر مدرجات الملعب وتتوقف عن المشاركة في “الفرجة” لكي تتبرع بالمشاركة في العرض خدمة لأجندة ترامب وصحبه.

 

تملك واشنطن قواعد وعسكرا ونفوذا وتاريخا لها في العراق. يتتالى موفدوها على بغداد في سعي لوضع حد لتواطؤ حكومتها مع إيران. بدا أن بغداد عاصمة ساقطة داخل نفوذ طهران حتى لو بدا في الشكل أن العراق يتغير. فهمت واشنطن ذلك، سحبت السواد الأعظم من دبلوماسييها وتكاد تقفل سفارتها وتغادر. ولا شيء يوحي بأن حكومة بيروت تملك ما لا تملكه حكومة بغداد.

 

يتذكر العالم أن اغتيال رفيق الحريري ورفاقه أتى كرد فعل على إصدار مجلس الأمن الدولي وما يمثله من مزاج دولي لقرار دولي (1559 عام 2004) طالب في فحواه بإنهاء ظاهرة ميليشيا حزب الله. تحرك الحزب لاحقا. استخدم نفوذه في احتلال وسط بيروت وسلاحه في احتلال بيروت بمجرد شعوره بأن أمرا ما يدبر، لاسيما من الخارج، يهدد وجوده وديمومته. ولا شيء يوحي هذه الأيام بأن غريزة البقاء لا تملي على الحزب ردود فعل عرفها لبنان واللبنانيون قبل سنوات.

 

تكمل واشنطن رحلتها ضد إيران باتخاذ إجراءات هنا وهناك، منها عقوباتها الأخيرة ضد حزب الله. أمّا أن تكون لهذه العقوبات مفاعيل ما فوق عادية لها طابع لبناني خاص، فذلك ما زال بعيدا. تعرف واشنطن جيدا أن لحزب الله حلفاء موضوعين داخل النظام السياسي اللبناني، متجذرين في ارتباطاتهم بمحور الممانعة العتيق الجديد. تعرف أن رئيس الجمهورية في قصر بعبدا سبق أن أعلن وأكد وكرر وردد تمسك لبنان بسلاح حزب الله بصفته حاجة لبنانية للدفاع.

 

تعرف أيضا أن وزير الخارجية جبران باسيل الذي يمنّي النفس بأن يرث عمه الرئيس في قصر بعبدا، والذي زار الولايات المتحدة والتقى بمسؤوليها، عبّر بصفته وزيرا للخارجية لدى المنابر العربية والإقليمية والدولية عن موقف لبنان الداعم لـ”مقاومته”.

 

قد يكون مطلوبا لهذه الدولة في لبنان أن تصلّب مواقفها ضد “الدويلة”، لكن الثابت أن العقوبات تمسّ الحزب. لم يصدر حتى الآن ما يشي بأن واشنطن ذاهبة إلى المسّ بحلفائه. وحتى تبدل هذا الثابت فلا شيء متحوّلا في عقوبات واشنطن ضد حزب الله.