عندما دارت اسطوانة مكافحة الفساد في جلسة الثقة بالحكومة الحالية، ساد الاعتقاد لدى الناس أنّ أصحاب الأمر والنهي في هذا المجال قد شمّروا عن سواعدهم، لإجتثاث هذه الآفة التي تنخر وزارات وادارات ومؤسسات الدولة باعتراف أهل الدولة.
 

بعد تلك الجلسة، إنشغل البلد بسيناريوهات بدأ تداولها في كل الاوساط، حول سُبل ملاحقة الفاسدين والمفسدين ومواجهتهم، وقيل كلام كبير، أشعر الناس بأنّ لحظة القصاص قد حانت، وأنّ ابواب السجون ستُفتح لطوابير ناهبي المال العام، وقيل يومها انّ السجون لن تتسع لجيش المرتكبين. لكن على مرّ الايام، بدت تلك السيناريوهات مجرّد صور وهمية، أقصى ما عُرض فيها توقيفات محدودة طالت بعض الصغار من دون ان تجرؤ على مقاربة الرؤوس الكبيرة من المرتكبين القابعة ضمن محميات او تحت غطاءات سياسية.

أُخذ على اصحاب الامر والنهي عدم المبادرة الى الاعلان الجدّي للحرب على الفساد، فكان جواب هؤلاء «نحن مصممون على هذه الحرب، إلاّ أن القضاء على الفساد لن يكون بين ليلة وضحاها، بل هو معركة طويلة الأمد، فنحن أمام عدو متغلغل في كل المفاصل ويتطلب عمليات جراحية». ومع ذلك لم يحرّك ساكن حيال هذا الامر، ما يعني انّ الوضع باقٍ على ما هو عليه من خلل الى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

على انّ بقاء الوضع على ما هو، لا يطمئن جيش الفاسدين فحسب، بل يشجعهم على التمادي اكثر، إذ وصلت الجرأة ببعضهم الى حد محاولة تجنيد أحد الوزراء للعمل معهم واستدراجه الى الشراكة مع بعض السماسرة لقاء مبلغ مقطوع يومياً.

قبل ان يدخل هذا الوزير الى جنّة الحكومة، كان يسمع من بعيد عن الفساد في إدارات الدولة ومؤسساتها.

كان يسمع من بعيد عن موظف لا يُنجز معاملة إلاّ بعد ان يتقاضى التعرفة، التي تتراوح من 50 الف ليرة وصعوداً حتى المليون او المليوني ليرة واكثر أو ما يعادل هذا المبلغ بالدولار الاميركي، تبعاً لنوع المعاملة ودسامتها، وتبعاً أيضاً لحاجة «الضحية» صاحب المعاملة الى إنجازها سريعاً، وكَرَمِه.

كان يسمع من بعيد عن موظفين محترفين في فنون الرشوة و«شفط» الاموال من جيوب الناس، وبطرق عجيبة غريبة لا تخطر على بال احد، و«على عينك يا تاجر»، فيما عين الدولة إمّا هي مغمضة، واما هي «شبعانة» من خلال «حصّة محددة» من «الغلّة»، تأتي لهذا المسؤول او ذاك.

المهم، انّ هذا الوزير لم يكن يفكر في الوزارة من الاساس، مع أنه ابن بيت سياسي، وله عمله المنتج، ومكتبه، وفريق عمله، وكل جهده كان منصّباً على تطوير عمله، الى ان طُرح اسمه، وكان من بين المحظوظين ليكون وزيراً في الحكومة الحالية، وأُسنِدت اليه وزارة خدماتية يسمّونها «الوزارة المدهنة»، مع أنّه كان يُفضّل لو أُسندت اليه حقيبة وزارية من إختصاصه.

تسلّم هذا الوزير مهماته من سلفه، وبدأ يداوم في مكتبه في الوزارة، ومع كل يوم يمضي، كانت تتكشف أمامه حقائق مروّعة، عن ارتكابات لم يكن يتخيّلها، وبدا له أنّ حبل المرتكبين يمتد من ادنى موظف رتبة في هذه الوزارة الى رأس الهرم فيها. فسلفه كان فناناً في قبض الأموال، أحضر معه الى الوزارة قريباً له، وهو شخص متقاعد، كان صاحب رتبة عالية في أحد الاسلاك، ومن مآثره الجليلة انّه منذ لحظة وصوله الغى كل التعرفات السابقة، ورفع التسعيرة على المعاملات فضاعف بعضها، وأما بعضها الآخر فرفعها من 300 و500 دولار الى 3 آلاف دولار بذريعة أنّ أصحاب تلك المعاملات الدسمة، هم من النوع الذي يدفع ولا يسأل، أو من النوع الذي هو مضطر أن يدفع.

والأنكى من كل ذلك، انّ كل الناس في تلك الوزارة كانوا على علم بذلك، اذ لم يعد هناك حياء او خجل في فرض هذه «الخوّة» العلنية، التي كانت تُفرض على اصحاب المعاملات بالتنسيق ما بين «رافع التسعيرة» وكتيبة من السماسرة والموظفين المستفيدين من هذا المال السائب. ولعلّ الصورة الفاقعة في هذا المجال، تتبدى في أنّ رافع التسعيرة الى 3 آلاف دولار، لم يكن يعبأ لأي رادع، إذ انّه كان يقابل من يراجعه في المبلغ محاولاً تخفيضه، بالقول علناً: «السعر محدود، والله العظيم اقل من 3 آلاف دولار ما بِتْوَفّي».

ما تقدّم غيض من فيض كان يحصل في تلك الوزارة، وبالتأكيد في غيرها، وهو أمر طبيعي جداً في زمن الفساد الذي اجتاح كل الوزارات والإدارات، ومحميّاته أقوى من القانون.

كل هذه الصور البشعة، وغيرها كثير، جرى استعراضها في لقاء حصل قبل ايام بين الوزير المذكور، ومجموعة من النقابيين ورجال الاعمال واقتصاديين واصحاب رؤوس اموال. طبعاً لم يكن هؤلاء غافلين عمّا يجري في ادارات الدولة، لكنهم ذُهلوا مما سمعوه منه لناحية بعض المؤسسات الرسمية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بوزارته، حيث وصفها بـ«المقاطعات» والتي تُدار وكأنّها ملك خاص، وفق مزاجية القيِّم عليها، وبمخالفات فاضحة وارتكابات أقلّ ما فيها انها تبلع المال العام.

قال الوزير، انّه أعدّ تصوّراً لإحداث تغيير في تلك المؤسسات، لكنه حتى الآن، يؤجّل الاقدام على هذه الخطوة، خشية اصطدامه بالمحميات السياسية التي تغطي القيّمين على تلك المؤسسات. ويعترف انّ علاقته بهؤلاء القيّمين متوترة، وأنّه لا بدّ من تغيير فيها في نهاية المطاف، فمن غير المعقول ان يستمر هذا الوضع غير الطبيعي.

وذُهل هؤلاء الاقتصاديون والنقابيون ورجال المال والأعمال اكثر، عندما كشف لهم عن «محاولة لتجنيده». قال الوزير بحسب ما نقل عنه بعض الحاضرين: «تصوّروا انّ اثنين من السماسرة الكبار مرتبطين بالوزارة، وبوزارات أُخرى، حاولا ادخالي الى عالم الفساد وقبض الاموال. في بداية اللقاء، يقول الوزير، أغدقا عليّ مجاملات وما الى ذلك من كلام معسول، مهّدا بها ليطرحا عليّ ان اعتمد معهم النهج الذي كان يعتمده اسلافي، لقاء أن أتقاضى عن كل يوم عمل مبلغ 50 ألف دولار (من دون السبت والأحد وعطل الاعياد الرسمية)، يعني 5 أيام في الأسبوع، أي 250 ألف دولار في الاسبوع، أي مليون دولار كل شهر.

بدا انّ المستمعين للوزير وكأنّهم لم يصدّقوا، وبعضهم إفترض انّ الوزير يبالغ، فقال لهم بحسب ما نُقل عنهم: «صدّقوا، انا اقول لكم ما حصل معي بكل صراحة وكان ردّي عليهما انّ الكلام انتهى هنا وهذا الكلام غير مقبول ويشكّل إهانة كبرى لي ولموقعي. فقالا لي: هذا ما كان يفعله أسلافك. فقلت: إنتهى الكلام».

واقعة التجنيد هذه فشلت مع الوزير المذكور، إلاّ أن السؤال، هل انّ السمسارَين قد نجحا في مكان آخر؟ .. لا جواب!