الخلافات الداخلية بشأن تسريع المفاوضات تضغط على تحالف الحرية والتغيير
 
فاجأ تحالف الحرية والتغيير دوائر سياسية كثيرة بوضع حزمة من الشروط الصارمة قبيل الشروع في مفاوضاته المباشرة، الأربعاء، مع المجلس العسكري الانتقالي في السودان، ما جعل مصير الجولة المنتظرة والتي أعلنت عنها لجنة الوساطة الإثيوبية-الأفريقية المشتركة على المحك.
 
ووضع التحالف عدة شروط، أبرزها أن يكون التفاوض حول تشكيل المجلس السيادي فقط ولمدة 72 ساعة، بما يوحي بأهمية وضع جدول زمني للمفاوضات، وإطلاق سراح المعتقلين، وعودة خدمة الإنترنت، ومراجعة إجراءات بناء الثقة، وهو ما أدى إلى تأجيل المفاوضات.
 
وأكد مدني عباس مدني عضو قوى الحرية والتغيير في مؤتمر صحافي، أنه تم تقديم النقاط إلى الوسطاء الأفارقة، وفي انتظار تسلم نسخة مكتوبة مما تمّ الاتفاق عليه لضمان عدم الرجوع إلى التفاوض حول ما جرت تسويته.
 
وتقدم وفد الوساطة بمقترح لتشكيل مجلس سيادي يتكون من 15 عضوا، سبعة لكل طرف، على أن يتم الاتفاق بينهما على العضو الخامس عشر ليكون رئيسا للمجلس، وإرجاء مصير مسألة المجلس التشريعي لثلاثة أشهر، إلى حين تشكيل مجلس السيادة وحكومة التكنوقراط.
 
ووصل وفد الوساطة إلى قناعة بضرورة جلوس الطرفين إلى طاولة حوار مباشرة، بعد جولات مستفيضة من المناقشات مع كل منهما، وإدراج الملاحظات على مسودة الاتفاق المقدمة للطرفين.
 
وتعتبر بعض الأطراف المشاركة في تحالف الحرية والتغيير أن دعوة الوساطة إلى التفاوض المباشر الآن، “خطأ كبير، ويندرج في إطار الانحياز للمجلس العسكري”.
 
وقال محمد الحسن لبات وسيط الاتحاد الأفريقي في مؤتمر صحافي، مساء الثلاثاء، إن الوساطة المشتركة تلقت ردودا مكتوبة من الجانبين بشأن مبادرة حل الأزمة، ولا توجد حجة لا تسمح بالاتفاق النهائي، ونقطة الخلاف الرئيسة تدور حول تشكيل الهيئة (مجلس السيادة) التي ستتولى قيادة العملية الانتقالية.
 
وتباينت وجهات النظر داخل قوى الحرية والتغيير في الاستجابة لطلب الوساطة المشتركة والجلوس مباشرة مع المجلس العسكري، بين القبول بلا شروط مسبقة للخروج من الأزمة الخانقة، وبين ضرورة تلقي ضمانات بجدية الحوار والتزام الطرف المقابل بما يتمخّض عنه من استحقاقات، وبين استمرار التصعيد والضغط بالوسائل السلمية.

وأشار جبريل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة، أحد مكونات التحالف، إلى وجود حالة عدم رضا عن أسلوب إدارة قوى الحرية والتغيير، في ظل غياب الهيئة التنظيمية المتفق عليها أو جسم مرجعي يرسم السياسات ويتخذ القرارات الأساسية.

ورأى متابعون أن اتساع الهوة بين الجانبين دفع تحالف الحرية والتغيير إلى القبول بالمحادثات المباشرة بعد ظهور انقسام حاد داخل صفوفه، وعقب تحرك المجلس العسكري لإجراء حوارات منفصلة مع حركات مسلحة وقوى حزبية متباينة، بما يقلص في النهاية نفوذ التحالف ودخول أطراف بعينها في التفاوض بعيدا عنه بما يؤدي إلى تهميشه.

ولفت هؤلاء إلى أن الرؤية داخل التحالف أيضا مرتبكة، الأمر الذي تعززه التناقضات في مواقفه من رفض الحوار إلى القبول به ثم وضع شروط له في اللحظات الأخيرة.

وقال سليمان سري، المتحدث باسم التحالف العربي من أجل السودان، إنه “تم الاتفاق على الجزء الأكبر من القضايا العالقة في اللقاءات السابقة التي جرت برعاية أديس أبابا، ويخشى التحالف من تنصل المجلس العسكري مما تم التوافق عليه، في وقت تتزايد الخلافات في أوساطه، وكان مضطرا للعودة إلى التفاوض مع وضع شروط قاسية تؤكد أن جلوسه حول الطاولة لا يعني الرضوخ للمجلس العسكري.

ولفت سري في تصريح لـ”العرب” إلى أن التوصل إلى أي اتفاق بعيدا عما تم التفاهم حوله يؤدي إلى تأزم موقف الحرية والتغيير، وقد يصل الأمر إلى وجود انشقاقات رأسية وأفقية في صفوفه.

ويبدي المجلس العسكري الانتقالي استعدادا ظاهرا لتسليم السلطة إلى المدنيين، لكن المعارضة قلقة من احتمال التفاف الجيش على مطالبها والاحتفاظ بالسلطة.

ويشير البعض من المراقبين إلى صعوبة الخروج بنتائج محددة من المفاوضات المباشرة، فلا تزال الهوة بعيدة وبحاجة إلى إرادة وعزيمة أولا، ومع استمرار التوجس الذي يخيم على كل طرف تجاه الآخر سيتعثر الحوار لأن الجانبين لا يريدان تحمل مسؤولية الفشل السياسي.

وما يزيد اللغط أن بعض الأحزاب السودانية تتداول مقترحا بإقامة مؤتمر جامع في الخرطوم لتجاوز الأزمة الراهنة، بمشاركة المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير ورؤساء أحزاب سياسية وحركات مُسلّحة وممثلين من أصحاب المبادرات الوطنية وأعضاء من ساحة الاعتصام والمحتجين، للخروج بوثيقة مُلزمة لجميع الأطراف.

وكشف صديق يوسف القيادي البارز بقوى الحرية والتغيير في حوار مطول مع “العرب”، أن الرهان على الشارع لا يزال السلاح القوي الذي تستخدمه المعارضة، ما يتطلب المزيد من الجهود على أرض الواقع لمخاطبة الفئات المختلفة وإقناعها بأهمية استمرار الحالة الثورية، التي تضمن تأييد المجتمع الدولي، الذي يحدّد موقعه من الطرفين على أساس مدى الفعالية في المعادلة السياسية.