من الأفضل في هذه المرحلة التعلّم من تجارب الماضي والاستفادة منها. أهمّ ما يبدو ضروريا تعلّمه أنّ المشكلة الأساسية في لبنان في هذه المرحلة هي مشكلة سلاح حزب الله الذي يدمّر يوميا مؤسسات الدولة اللبنانية.
 

ليس الموضوع في لبنان موضوع فتنة درزية- درزية يوجد من يسعى إلى إشعالها، أو على الأصحّ إلى افتعالها. الموضوع موضوع لبنان ككلّ، ومصير البلد، واحتقان في كلّ شارع وداخل كل طائفة وفي كلّ منطقة.

من لا يعترف بذلك، إنّما يحاول تجاوز الواقع بكلّ تعقيداته من أجل حسابات صغيرة تصبّ في مصلحة السلاح غير الشرعي الذي يعاني منه البلد منذ خمسين عاما بالتمام والكمال. صار عمر اتفاق القاهرة نصف قرن. وُقّع الاتفاق بين ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وقائد الجيش اللبناني وقتذاك إميل البستاني في خريف العام 1969. لم يأبه العماد البستاني بالنتائج التي تترتب على مثل هذا الاتفاق. هناك في كلّ وقت نوع من العمى السياسي لدى معظم زعماء المسيحيين في لبنان تفسّره تلك الرغبة في الوصول إلى رئاسة الجمهورية بأيّ ثمن كان… حتّى لو كان ذلك بفضل بندقية “حزب الله”.

لنكن واقعيين. رحل السلاح الفلسطيني صيف العام 1982، ليحلّ مكانه شيئا فشيئا سلاح “حزب الله” الإيراني، وصولا إلى مرحلة صار فيها هذا الحزب يحدّد من هو رئيس جمهورية لبنان، الذي يفترض أن يكون مسيحيا من الطائفة المارونية.

ليس الإشكال الذي حصل في قبرشمون وكفرمتّى، وهما بلدتان في منطقة عالية في الجبل اللبناني، سوى دليل آخر على المدى الذي بلغه الاحتقان. تسبب في الإشكال رئيس “التيّار الوطني الحر”، وزير الخارجية جبران باسيل، الذي يجيد خطابا يثير الغرائز المسيحية في أوساط الجهلة من أبناء الطبقة دون المتوسطة. يقوم هذا الخطاب على بيع المسيحيين الأوهام وجعلهم يعتقدون أنّ في استطاعتهم استعادة موقع الطائفة المتميّزة في لبنان من منطلق أن لبنان خلق أصلا من أجل المسيحيين فيه.

في الأصل، لم يكن من اعتراض درزي على زيارة يقوم بها باسيل لقبرشمون وكفرمتّى، بل هناك مشكلة تسبب بها رئيس “التيّار الوطني الحر” عندما استفزّ الدروز، بأكثريتهم الساحقة، عن طريق خطاب يعيد إلى الذاكرة معارك حصلت في منطقة عالية في ثمانينات القرن الماضي أو أحداث 1860.

خرج المسيحيون الخاسر الأكبر من معارك ثمانينات القرن الماضي وجرى تهجير العدد الأكبر منهم من بلداتهم التي كان فيها تعايش مشترك مع الدروز. كانت كفرمتّى مسرحا لجرائم ارتكبت في حقّ الدروز ما لبثت أن ارتدّت على المسيحيين، وصولا إلى يوم تحقيق المصالحة التاريخية في الجبل بين الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والبطريرك نصرالله صفير، الرجل العاقل الذي اعترض دائما على اللجوء إلى السلاح والكلام الغوغائي. كانت المصالحة في الثالث من آب/ أغسطس 2001 عندما ذهب البطريرك الماروني إلى المختارة لطيّ صفحة أليمة.

لا يسعى جبران باسيل حاليا إلى خطاب شعبوي يثير الغرائز، من أجل استمالة المسيحيين فحسب، بل يعتقد أيضا أن دخوله كفرمتّى وقبرشمون هو اختراق للوسط الدرزي أيضا. أكثر من ذلك، يظنّ أنّ مثل هذا الاختراق يؤكد القدرة على إيجاد زعامة درزية أخرى غير زعامة وليد جنبلاط.

الأكيد أنّه يفعل ذلك من أجل إثبات أنّه زعيم مسيحي، وأن من حقّه احتكار كل التعيينات الإدارية مسيحيا، وأن تكون له حصّة في التعيينات السنّية وأخرى في الوسط الدرزي. وأكثر من ذلك، فهو يهيّئ نفسه ليكون الرئيس المقبل للبنان من منطلق أنه المسيحي الأقوى وأن لا وجود لزعامات مسيحية أخرى…

نظريا هذا الكلام صحيح. عمليا ليست لهذا الكلام علاقة من قريب أو بعيد بالواقع. ليست الجهود الهادفة إلى اختراق الطائفة الدرزية سوى امتداد لنهج سياسي واضح. مطلوب، بكل بساطة، إلغاء وليد جنبلاط الذي تصدّى على مراحل للهيمنة السورية على لبنان، ثم للهيمنة الإيرانية.

هناك من يحاول في 2019 تحقيق ما عجز عن تحقيقه سلاح “حزب الله” من خلال غزوة بيروت والجبل في أيّار/ مايو من العام 2008. استطاع الجبل الدرزي الوقوف في وجه “حزب الله”، لكنّ المحاولات الهادفة إلى إخضاع دروز لبنان مستمرّة، وهي تترافق في هذه المرحلة مع محاولات إخضاع دروز سوريا الذين رفضوا، في معظمهم، الانضمام إلى الحرب ذات الطابع المذهبي التي يخوضها بشّار الأسد ونظامه مع الشعب السوري.

لا يمكن تجاهل ما تعرّض له دروز سوريا قبل سنة على يد “داعش” من خطف وتنكيل. تبيّن مع مرور الوقت أن “داعش” ليس، من خلال الاعتداء على الدروز السوريين، سوى إحدى واجهات النظام السوري، مع الذين يقفون خلفه من ميليشيات مذهبية تابعة لإيران.

يفترض في كل مسيحي لبناني أن يأخذ في الاعتبار أنّ أي إضعاف للدروز هو إضعاف له. إذا كان مطلوبا الدخول في تعقيدات حرب الجبل وشرق صيدا التي انتهت بتهجير المسيحيين من مناطق عدّة في العامين 1983 و1984، فذلك يعني السعي إلى الدخول في لعبة لا طائل منها. هناك مسؤولية تقع على الميليشيات المسيحية التي اجتاحت الجبل الدرزي في وقت كان الإسرائيليون ما زالوا في لبنان… وهناك مسؤولية يتحمّلها الجانب الدرزي الذي اختار الانتقام بطريقة عشوائية من كلّ مسيحي في المنطقة.

من يريد العودة إلى الماضي، إنّما يريد العودة إلى الدوران في حلقة مقفلة. إنّه دوران لا يمكن أن يخرج منه المسيحيون سوى خاسرين نظرا إلى أنّ مصلحتهم تكمن، أوّلا وأخيرا، في علاقات متوازنة مع كلّ الطوائف الأخرى، وذلك تفاديا للوقوع في لعبة “حزب الله”.

في النهاية، ما مصلحة المسيحي اللبناني في أن يكون الدرزي ضعيفا؟ ما مصلحة المسيحي في استعادة حقوقه بسلاح “حزب الله”؟ جرّب السنّة قبله، كذلك الدروز، تحقيق مكاسب في الداخل اللبناني بفضل السلاح الفلسطيني. ماذا كانت النتيجة؟

من الأفضل في هذه المرحلة التعلّم من تجارب الماضي القريب والاستفادة منها. لعلّ أهمّ ما يبدو ضروريا تعلّمه أنّ المشكلة الأساسية في لبنان في هذه المرحلة هي مشكلة سلاح “حزب الله” الذي يدمّر يوميا مؤسسات الدولة اللبنانية أو ما بقي من هذه المؤسسات.

الأكيد أن وليد جنبلاط ليس قدّيسا. ارتكب أخطاء كثيرة في الماضي. سيرتكب أخطاء أخرى في المستقبل نظرا إلى أن وضعه ووضع طائفته ليسا على ما يرام، لا في لبنان ولا في سوريا. لكنّ ذلك لا يمنع الاعتراف بأنّ عملية تزوير كبيرة يمارسها حاليا بعض الصغار الذين لا يريدون فهم أمرين. الأمر الأوّل أن الأكثرية الدرزية، وهي أكثرية ساحقة، مع وليد جنبلاط، بحسناته وسيئاته. الأمر الثاني أن الذين نزلوا إلى الشارع واعترضوا على جبران باسيل، هم في معظمهم شبان لا يسيطر عليهم وليد جنبلاط، بل إنّ هؤلاء يعبرون عن المزاج الحقيقي المهيمن داخل الطائفة الدرزية لا أكثر… وهذا المزاج موجود بغض النظر عمّا إذا كان وليد جنبلاط معه أو ضدّه!