تحدث أخطاء تنمّ عن خبث أو سوء تقدير، وتكلّف أثماناً غالية. خطأ بول بريمر بحلّ الجيش العراقي، أدى إلى نتائج عسكية وكارثية. قد يكون الخطأ ناتجاً عن غباء، أو عن سابق تصور وتصميم، لكنّه أدى إلى حال أكثر من مأسوية للعراق وللأميركيين.

عودة الجيوش من هذه التجربة، عادت تلك القناعة القديمة في منطقتنا، أي إحلال الجيش كجسم مؤسساتي يصون الدولة، بعد انحلال المجتمعات السياسية وكياناتها ومؤسساتها. ونموذج حلّ الجيش العراقي، وما نتج عنه من استعصاء سياسي واستشراء العنف والفوضى في العراق، أوصلت الجميع إلى قناعات بأن المنطقة العربية لا يمكن أن يضمن استقرارها غير العسكر. وتجربة العسكر في الحكم، المبتدئة أصلاً في سوريا والعراق منذ الأربعينات، وكانت نموذجها الأهم في الخمسينات جمال عبد الناصر و"الضباط الأحرار" في مصر، سرعان ما تعممت إلى دول أخرى. وكانت نتائجها جيدة بالنسبة إلى الغرب على الرغم من بعض الشعارات الثورية و"المواجهات". فهي أرست "الاستقرار" نسبياً.

اليوم النموذج نفسه يستعاد تعميمه على مختلف الدول العربية. فبذريعة الخوف من الفوضى، أو من "الفلتان السياسي"، وفق قواميس الأنظمة، كان الدفع إلى إحياء دور العسكر السياسي مع الثورات المضادة، والتي ترتكز إلى مؤسسة الجيش كجسم منضبط وفعال، وبالإمكان "التفاهم معه" ومقايضة الاستقرار بالديموقراطية، وبعيداً من مخاطر الحروب الأهلية.

حالة تعميم نموذج حكم العسكر، تجددت في مصر في العام 2013، وآخذة في التمدد من دولة إلى أخرى، وسط صمت أوروبي رهيب، وغطاء أميركي مشهود وواضح، بمعزل عن البيانات التي لا تساوي الحبر الذي تكتب فيه. 

العسكريون المتقاعدون لطالما كان لبنان صدى لتلك التحولات في المنطقة، فلم يكن خيار انتخاب الرئيس فؤاد شهاب على إيجابياته، بمعزل عن ثورة الضباط الأحرار في مصر، والتي أنتجت أحكام عسكرية في العديد من الدول العربية. هناك من يراهن على مبدأ أن لا حكم لغير العسكر، لأنهم وحدهم يتمكنون من الحفاظ على الأمن والاستقرار، خصوصاً بعد انحلال المجتمعات وخوائها.

من غرائب الدنيا وعجائبها اللبنانية، أن يشكّل عسكريون متقاعدون "غرف عمليات عسكرية" توزّع المهام في سبيل قطع الطرقات وتقطيع أوصال البلاد. تلك المخالفة الصريحة لمنطق الواجبات العسكرية، حتى ولو كانت مطالبهم محقّة، لكن ثمة حق يراد به باطل. تماشياً مع النماذج المعمول على تعميمها في كل المنطقة العربية، ليس التحرك الأول للعسكريين المتقاعدين في لبنان، من باب الاعتراض على الموازنة. لكن التحركات آخذة بالتصاعد، ولا بد من التوقف عندها، وما قد تؤسس له، خصوصاً وسط كلام يتوسع في المجالس العامة والخاصة، بأن لا حلّ بديلاً من العسكر لضبط الأوضاع في لبنان، والمؤسسة العسكرية وحدها القادرة على ضبط الفساد، ومواجهة صفقات السياسيين وتفلتهم في النهب والإفساد.

الرؤساء الجنرالات لم يكن التنافس على الإنجازات بين الأجهزة الأمنية في لبنان، خارجاً عن السياق العام، خصوصاً في مرحلة مواجهة الإرهاب، والتسابق على تسجيل الانتصارات بتفكيك الشبكات، أو القبض على المشبوهين أو مطاردة الخلايا الخطرة، وإنقاذ البلاد من مخططات إرهابية كبرى. تماماً كما كان حال العسكر في الدول العربية، يروجون لأنفسهم كخيار بديل عن فوضى الشارع، والقادرين على ضبط الأمن والنظام العام ومنع تفلت الأمور. هذا ما حدث في مصر، ووقع قبل أسابيع في الجزائر، والسودان وليبيا، بل وكان هذا المأمول مع علي عبدالله صالح في اليمن. تلك الأساليب باتت معروفة ومحفوظة عن ظهر قلب. وأساسها وضع العسكر في مصاف أرفع من مصاف الساسة والشعب.

ففي دول الانقلابات وعند وقوع ما هو طارئ وغير محسوب، يلجأ العسكر إلى مواجهة "عمليات أمنية" تكون المطية للإمساك بزمام الأمور والسلطة كلها، وتلك تجربة عممت في لبنان أيضاً، منذ معارك كفر حبو في الضنية التي أتت بإميل لحود رئيساً للجمهورية، إلى معارك نهر البارد التي أتت بميشال سليمان رئيساً للجمهورية، فيما كادت معارك عرسال ضد التنظيمات المتطرفة أن تأتي بجان قهوجي، لكنها أتت بقائد عسكري آخر بمفعول رجعي هو الرئيس ميشال عون. تلك الحالات في لبنان، تنسجم مع ما جرى في الدول العربية الأخرى.

اليوم يتحرك العسكريون المتقاعدون في لبنان، لكنهم يسيئون بتحركهم إلى مؤسساتهم وإلى قادة الأجهزة، خصوصاً قيادة الجيش التي تمثّل محط احترام لدى مختلف القوى، المحلية والخارجية. وكأن هناك من يريد أن يدفع إلى إغراق المؤسسة في زواريب تعطيل يوميات اللبنانيين. وليس بسيطاً توزيع القطاعات والمهام وتشكيل غرفة عمليات وإصدار أوامر، وكأن لا أحد يقتنع في أنه احيل إلى التقاعد. تلك التحركات والممارسات ستدفع الناس إلى الإبتعاد عن العسكر والامتناع عن التضامن مع تحركاتهم ومطالبهم. لكنها في المقابل، قد تمثّل عامل قوة بالنسبة للمتحركين، وكأنهم يقدمون أنفسهم كحبال نجاة للمجتمعات.

مشكلة الاستعلاء وللحديث بموضوعية وصراحة أكثر، المشكلة مع العسكر تتخطى هذه التحركات، لتطال حالات عديدة من الاستدعاءات التي طالت الكثير من الناشطين، مع تسجيل عدم الموافقة على أداء بعض الناشطين وحالات الشتم والقدح أو التحريض. ولا تنتهي المشكلة عند حدود ما يحكى عن مراقبات وملاحقات أو عمليات تنصت، وصولاً إلى حالة تلفيق الملفات. والمشكلة الأوسع من ذلك، تبقى في طريقة تعاطي العسكريين أو رجال الأمن مع المواطنين. وهذه تبدأ من التصرفات في المطار إلى الحواجز والمخافر ومراكز التحقيق. وتتجلى المشكلة في الحالة الاستعلائية التي يعيشها "العسكري" مع نفسه، وسطوته التي يرغب بممارستها على غيره من الناس، وكأنها تمثّل استعاضة عن عامل ضعف في مكان ما، لإثبات القوة في المكان الخطأ. وليس تفصيلاً أن يشهد لبنان على حادثة اعتداء عسكري بالضرب على محاميين، في قصر للعدل.

هذا كله يؤسس لافتقاد احترام الناس في لبنان، بلا حاجة للدخول في تقييم الضارب والمضروب، أو بدرجات التحصيل العلمي مثلاً بين محام متمرس وشرطي. ورغم كل التقدير والامتنان لرجال الأمن، فلا يجوز غض النظر عن مشكلة الممارسة ومشكلة وهم العسكري البديل من "متاعب" الديموقراطية.