العسكريون، الذين كانوا يتصدون للمتظاهرين من المجتمع المدني، ومن خلال متابعة تحركهم وشعاراتهم هم غير معنيين بكل ما تمارسه السلطة من فساد ونهب للمال العام طالما أن رواتبهم ومستحقاتهم تصل إلى جيوبهم كل أخر شهر
 

اليوم انتشر العسكريون المتعاقدون وأقفلوا مداخل العاصمة، وأحرقوا الإطارات دفاعًا عن مستحقات يعتبرونها حقًا لهم، قبلهم تحرك أساتذة الجامعة اللبنانية وأعلنوا اضراب مفتوح لا يزال مستمرًا رغم كل التدخلات السياسية، للمطالبة أيضًا بمستحقات ومكتسبات لا يرضون المساس بها، وقبلهم أضرب القضاة وأقفلوا المحاكم للأسباب نفسها. 

 

منذ أيام كان الدور على موظفي الضمان الصحي، ولا ننسى تحرك الأساتذة ومطالبتهم بسلسلة الرتب والرواتب وقبل هؤلاء وأولئك انطلق "الحراك المدني" بالكثير من التظاهرات وبمطالب عامة حشد لها شريحة كبيرة من المتضررين من سياسات الطبقة الحاكمة، الّا أنه وللأسف هذا الحراك أصابه الضمور حتى اختفى نهائيًا اليوم ولم نعد نسمع عن "المجموعات" التي كانت تفرّخ يوميًا قبيل الإستحقاق الإنتخابي، وتبخر معظمها بعد الإنتخابات!!  التطلع على المشهد العام وعلى كل تلك الإعتراضات المتفرقة، يجعلنا نستنتج كم أن "الشعب اللبناني" يعيش حالة من الانقسامات والترهل ليس فقط كما هو متعارف عليه محصورًا بالإنتماء المذهبي والديني أو الحزبي، بل الإنقسامات وصلت حتى إلى أصغر مداميك المجتمع مصحوبًا هذا الإنقسام بالكثير من التشرنق السلبي وصولًا حتى إلى الغباء.

 

فالعسكريون مثلًا، الذين كانوا يتصدون للمتظاهرين من المجتمع المدني، ومن خلال متابعة تحركهم وشعاراتهم هم غير معنيين بكل ما تمارسه السلطة من فساد ونهب للمال العام طالما ان رواتبهم ومستحقاتهم تصل الى جيوبهم كل أخر شهر، والأساتذة كان كل همهم هو اقرار السلسلة حتى وان كان تمويلها سيكون من جيوب الفقراء بالوطن فالمهم عندهم هو تحسين رواتبهم، وكذلك هو الحال مع باقي الشرائح المعترضة. 

 

إقرأ أيضًا: صفقة القرن، والثوار الكسبة

 

بالمقابل فإن ما كان يسمى بالمجتمع المدني، وكثيرون من نشطائه ومحركيه لا نجدهم الآن يساندون أي من هذه الاعتراضات ولو من باب محاولات توجيهها نحو الهدف الأساسي والعمل على تراكم وتوسيع دائرة المتضررين من سياسات السلطة. 

 

وبالمقابل، تعمد السلطة (المجتمعة) على نهب المال العام والمحاصصة وسرقة ثروات الوطن، على حلول تدغدغ مشاعر كل "فصيل" معترض، كل على حدة، على طريقة "تركيب الطرابيش"، وهي تدرك تمامًا أن هذه الحلول المؤقتة ما هي الّا زيادة بحجم المشكلة وتفاقمها وصولّا إلى الإنهيار الكامل، فالترقيع لا يمكن ينتج ثوبًا جديدًا، ولأن جل همها هو الاستمرار بالنهب والحؤول دون تجمع هذه "المعارضات"، ومن باب "فرق تسد" فهي تعتمد سياسة "حلحل وفرق".  

مشكلة المشاكل تكمن في العقم البنيوي للعقل اللبناني القائم أساسًا على قاعدة ذهنية مريضة تقول: "بعيدة عن ضهري بسيطة"... وبالتالي فإن "اللبناني" لا يتحرك ولا يشعر بخطورة الأوضاع وانعكاسها عليه الّا حين تلامس جيبته الشخصية ومصلحته الخاصة، ولا يدرك للاسف هذا اللبناني، أن ما يعاني منه الاخر الآن، سيصل اليه حتمًا، ولو بعد حين، لأن الفساد وسوء الإدارة ونهب المال العام مثله مثل مرض السرطان لا بد أن ينتشر ويقضي على كامل الجسم، فابتعاد أي عضو عنه لا يجنبه المصير الأسود بعد حين. 

 

نحن في لبنان، وكما يعرف الصغير قبل الكبير نحتاج إلى ثورة بكل ما للكلمة من معنى، وكل المعطيات تشير بوجوب حصول "ربيع لبناني" كان يجب أن نستبق به كل الدول العربية، وهذا ما لن يتحقق قبل معالجة العقل اللبناني أولًا، واعتماد قاعدة جديدة تقول "بعيدة عني، بس رح توصل لعندي".