في البدء كان الرقم بحد ذاته، صادماً، فاضحاً: خمسون مليار دولار لشطب القضية الفلسطينية بمختلف أبعادها السياسية، مبلغٌ مهينٌ للفلسطينيين، وللعرب، وللمسلمين ولكل من تعنيه تلك القضية المركزية، التي يقيّمها الآن مسؤول أميركي، طارىء على السياسة، بأقل سعر طُرح حتى اليوم، منذ العرض الشهير الذي قدمه مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل ورفضه السلطان العثماني عبد الحميد في نهاية القرن التاسع عشر، والذي بلغ عشرين مليون جنيه إسترليني.

في مراحل عديدة سابقة من التفاوض طرحت أرقام أكبر بكثير من ذلك المبلغ الزهيد، الذي يفترض أن يذهب نصفه الى ثلاث دول عربية، لبنان والاردن ومصر، من دون سوريا! أما النصف الباقي فيخصص لفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، من دون الشتات طبعا، الذي يتوقع الاميركيون والاسرائيليون ألا يبقى له أي وجود، ويصرف على مدى عشر سنوات أي بمعدل 2.5 مليار دولار سنويا، على برامج إقتصادية محددة، تربطهم الى الابد بدورة الاقتصاد الاسرائيلي، وتحول دون تفكيرهم السياسي بالاستقلال والسيادة والحرية.

في الماضي، كانت المبالغ المقترحة تصل الى مئات المليارات من الدولارات، وكان لبنان والاردن على سبيل المثال يرفضان البحث في توطين اللاجئين الفلسطينيين بأقل من عشرة مليارات لكل منهما. وكان البلدان وما زالا يتوجسان من بعضهما البعض كلما طرح هذا الموضوع، مخافة ان تكون العروض الدولية متباينة. كانت القضية بالنسبة الى البلدين ولا تزال قضية "مبدأ"، تستدعي تعديل الدستور والقوانين اللبنانية والاردنية المقدسة، التي لا تجيز التوطين..إلا إذا كان الثمن مرتفعاً.

إنخفاض العرض الى هذا المستوى البائس هو في الأساس ناتج عن تقييم سياسي مريع للقضية الفلسطينية، يتقاسمه الاميركيون مع العرب الذين حضروا ورشة البحرين وتحمسوا لفكرة رمي بعض المال لفلسطينيي الضفة وغزة، على أمل أن يتحولوا الى جيران هادئين، مسالمين، مطيعين لدولة إسرائيل، وأن ينسوا نهائياً قضايا القدس والاستيطان والحدود، وطبعا كل ما يربطهم عائلية حتى مع اللاجئين الفلسطينيين في المنافي.

اللا الحازمة، والجريئة فعلا، التي أطلقتها السلطة الفلسطينية بلسان رئيسها محمود عباس، هي وحدها التي أحبطت الخطوة الاولى من مسار تحويل القضية الفلسطينية الى مسألة إقتصادية إجتماعية إنمائية، وساهمت حتى في صدور بعض الشكوك الاسرائيلية، من جانب عدد من السياسيين والكتاب، في ذلك المسار المنحرف، الذي إبتكره مسؤول أميركي مبتدىء، هاوٍ للشهرة، يتلاعب به رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ويعده لدخول التاريخ.. مثلما يفعل مع والد زوجته، الرئيس دونالد ترامب.

سقط العرض الاميركي الأخير في بُعده المالي المشين، لكنه لم يسقط في جوهره السياسي الخطر: في المنامة جرى التأسيس لخطاب جديد يتمثل في إلقاء اللوم على السلطة الفلسطينية لإضاعة ما وصفه الصهر الرئاسي الاميركي جاريد كوشنر ب "فرصة القرن"، وتحميل رئيسها شخصيا المسؤولية الكاملة عن حرمان شعبه من المليارات ال25 التي وُعد بها للسنوات العشر المقبلة، مع ما يعنيه ذلك بالنسبة الى مستقبل السلطة ودورها ومصير عباس شخصيا، الذي يشبه وضعه اليوم ما كان عليه الراحل ياسر عرفات في سنوات حصاره الاخير. وفي الافق أكثر من دليل على أن الشأن الداخلي الفلسطيني سيكون من الآن فصاعداً على رأس برنامج المغامرات السعودية الاماراتية المصرية.

هذا هو الشرط لإستكمال ذلك المسار الذي إفتتحه الرئيس ترامب، وشطب خلاله ما لم يجرؤ أي رئيس أميركي قبله، على شطبه من الحقوق الوطنية الفلسطينية، قبل ان يرسل صهره الى المنامة لأداء ذلك العرض المسرحي الرديء، الذي يبدو من وجهة نظره هبة سخية للفلسطينيين ، لا يمكنهم رفضها، من دون أن يدفعوا الثمن.

إنتهت ورشة البحرين الى فشلٍ مالي محتمٍ، لكنها على الارجح أتاحت لادارة ترامب ولحكومة إسرائيل الشروع في تنفيذ المرحلة الاخيرة من "صفقة القرن"، التي تعيد تعريف القضية الفلسطينية بمصطلحات جديدة، وتعيد تحديد الشعب الفلسطيني بمعطيات وأرقام مختصرة..لا يمكن إلا أن تكون شرارة حريق جديد، في قلب العالم العربي، وفي مركزه الأهم.