حدَّد الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، في مقابلته مع جريدة «الشرق الأوسط» قبل أيام المهمّتين الأساسيتين للدولة والنظام السياسي؛ الأولى العمل على تحسين حياة المواطنين بعامة، والشباب بخاصة، من طريق خرطهم وقيادتهم في العمليات التنموية الكبرى (رؤية 2030). والمهمة الثانية حماية سيادتهم وحرياتهم وكرامتهم وحقوقهم بالداخل والخارج، من طريق قوة القانون وانتظام عمل المؤسسات وانضباطها بالداخل، ومن طريق القدرات الدبلوماسية والأمنية والعسكرية لصدّ العدوان الخارجي ومواجهته.

ما قال ولي العهد السعودي غير ما هو المعروف أو المتعارَفُ عليه في القانون الدولي، والدولي الإنساني، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، أي بعد قيام الأُمم المتحدة (1945)، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948). وصحيح أنه مرت على ذلك كله، وعبر عقود، مئات برامج التنمية المختلفة، ومئات الحروب الصغيرة والكبيرة؛ لكنّ أحداً ما صارح العالم كلَّه بالخروج على هذه المبادئ والأعراف والأهداف؛ حتى الدول الكبرى، باستثناء قلة قليلة من الدول بقي منها اليوم أنظمة مثل كوريا الشمالية، وإسرائيل، وإيران. والواقع أنّ العرب ومنذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، كان من سوء حظهم، وفي منطقتهم وجوارهم، مواجهة نظامين مثل تلك الأنظمة الشاذة والخارجة، وهما: إسرائيل أولاً، ثم إيران منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي، وبخاصة بعد عام 1979. ويشمل التحدي من هذين الطرفين: احتلال الأرض، والقتل، والتهجير، والتغيير السكاني، والإمعان في العدوان في هذه النواحي وبمنهجية معلنة حتى اليوم.

إنّ هذين الطرفين يؤثران تأثيراتٍ كبيرة وسلبية على الوظائف الأساسية للدول في المشرق العربي والخليج وليس على المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأُخرى فقط؛ بل إنّ بعض هذه البلدان مثل فلسطين وسوريا ولبنان والعراق واليمن، ما نالها من الشر إيقاف التنمية وحسب؛ بل وفقد الاستقلال وفشل تجربة الدولة الوطنية. وقد استطاعت دول الخليج الاحتفاظ بمناعة مشهودة، لكنها ومنذ الثورة الإيرانية؛ وحتى قبلها، صار عليها أن تحسب حساباً ليس لإسرائيل وحسب (بالعمل على مساعدة مصر وسوريا والأردن والفلسطينيين ولبنان)؛ بل والإقبال على تسلُّحٍ مستمر التصاعد من أجل منع إيران الثورية من العدوان عليها، كما فعلت مع سائر دول المشرق العربي، وكما تفعل اليوم في اليمن. وأياً تكن قدرات الدول وثرواتها؛ فلا شكّ في أنّ سباق التسلح هذا، أثر ويؤثّر على برامج التنمية المستدامة في تلك الدول، وعلى قدراتها في مساعدة الدول العربية الأُخرى، سواء في التنمية أو في الحفاظ على الاستقرار والاستقلال.

هذا هو «المعروف» الأول، والذي كان على دول الخليج ومصر والمشرق أن تُواجهَ تجاهُلَه والخروجَ عليه من جانب إسرائيل وإيران. وفي حين تختال إسرائيل الآن بالتفوق الأصيل والمستعار من الولايات المتحدة؛ فإنّ إيران الثورية تواجهُ تحدياً كبيراً من الحصار الأميركي للأسباب الثلاثة المعلنة: التهديد الإيراني بإنتاج سلاح نووي، والصواريخ الباليستية التي صارت تُمِدُّ بها حتى ميليشياتها في العراق ولبنان وسوريا واليمن. والسبب الثالث: الإصرار على زعزعة الاستقرار في سائر دول المنطقة، والتي تتنافس معها في ذلك الآن تركيا الإردوغانية التي مدت أذرعها إلى سوريا وليبيا وقطر.

فلننظر في المعروف الثاني الذي جرت مغادرته، وهو المعروف الديني. كان الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، قد قال في مقابلاتٍ وأحاديث سابقة إنّ هذا المعروف جرى الخروج عليه في عام 1979 الذي حدثت فيه ثلاثة أمور خطيرة: قيام الثورة الإيرانية التي شرّعت في دستورها التدخل الخارجي تحت اسم تصدير الثورة، وإغارة جهيمان على الحرم المكي في مغادرة لكل فرائض الدين وأعرافه وأخلاقه، وبدء الحرب الأفغانية التي أخرجت ثقافة «الجهاد والجهاديين» إلى العلن والفعل، وهي «الثقافة» التي حوّلت الإسلام إلى مشكلة عالمية. ولا شكّ في أن كل الجهات الدولية والإقليمية شاركت أو عملت على استخدام الجهاديين الأشاوس ولا تزال؛ وقبل أحداث عام 2001 وبعدها. ولا شكّ أيضاً وأيضاً في أنّ قدرات الشذوذ على المعروف السياسي والجيو - استراتيجي من جانب إسرائيل وإيران يمكن نسبة جزءٍ كبيرٍ منها إلى النظام الدولي، وصراعات الدول الكبرى. أما الشذوذ على المعروف الديني فنتحمل نحن الجزء الأكبر من مسؤولياته في البدايات على الأقلّ. ولي العهد السعودي يريدنا أن نعود إلى ثقافة ومعروف ما قبل عام 1979. فكيف يمكن القيام بذلك؟ يتحدد المعروف كما جاء في أعمال مؤتمر إسلام الدين الوسط ووثيقة مكة المكرمة الذي أقامته رابطة العالم الإسلامي قبل أسابيع، بالاستناد إلى الكتاب والسنّة، وتجربة الجماعة الملتقية مع النص في التاريخ والحياة. وقد جاء في القرآن الكريم: «كنتم خير أمة أُخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله». فنحن نسعى على الدوام لتحديد المعروف أو الإجماع على كبرى مسائله، وهي عملية مستمرة؛ فالإجماع الذي نتشارك في صنعه مع «عالم الناس» ليس أمراً منجزاً، بل هو في تحقُّقٍ مستمر. وقد أوردت وثيقة مكة المكرمة، ووثيقة الأخوة الإنسانية بين البابا وشيخ الأزهر في أبوظبي، ووثيقة مراكش بين الشيخ العلامة عبد الله بن بية ووزارة الأوقاف المغربية، عشرات البنود والمسائل التي هي مزيجٌ من المعروف الإسلامي العريق، والمعروف العالمي. ولذلك فإنّ مؤسساتنا الدينية وعلماءنا يكون عليهم الاستمرار في العمل فيما بينهم ومع جهات العالم الدينية والثقافية من أجل المُواضعة على المعروف الجديد في كثيرٍ من بنوده ومسائله وقضاياه ومفاهيمه. هناك من يقول إنّ هذه المسائل جميعاً موجودة في شرعنا، وإنما نعيد استكشافها. وهذا تعليلٌ مشروعٌ للإقناع والاستئلاف. لكنّ فقهاءنا يعلمون أنّ الإجماع شرعٌ أيضاً. ولذلك ليست هناك مشكلة حتى لو كانت هذه المسائل جديدة؛ إذ الأمر كما قال ابن عقيل وابن قيّم الجوزية: حيثما تكون المصلحة فَثَمَّ شرعُ الله؛ ولن تجتمع الأمة المعصومة على ضلالة.

لدينا في الزمن الحاضر تحدياتٌ ثلاثة كبرى: تحدي استعادة السكينة في الدين بالتحرك باتجاه الإجماع على المعروف الإسلامي الجديد الذي لا يمكن أن يكون إلاّ عالمياً وإنسانياً، وتحدي بناء الدولة الوطنية الجديدة والحصينة والناجحة بالتنمية والحماية والحكم الصالح والرشيد، وتحدي تصحيح العلاقة مع العالم بدين وأخلاق السكينة والتعارف والرحمة والعدالة، والدول الوطنية القوية وذات الندية التي تصبح بالكفاءة والنجاح جزءاً من سلام العالم وتقدمه.