يوم الأحد الماضي صرح وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بأن بلاده تدرس مجموعة كاملة من الخيارات؛ بينها العسكرية، لكنه كان حريصاً على الإشارة إلى أن الرئيس دونالد ترمب لا يريد الذهاب إلى الحرب.

هذا صحيح؛ فترمب يركز على انتخابات عام 2020 وهو يعرف أن قاعدته تحب الخطاب الناري ما دام لا أحد يطلق النار على الجنود الأميركيين.

لدى إيران دافع واضح في الهجمات على الناقلات، فهي تريد صد «الضغط الأقصى» الذي فرضته إدارة ترمب على اقتصادها، وهي تملك الوسائل ونوع الألغام البطيئة الذي يبدو أنه استخدم في الهجمات، ثم إن إيران تجيد لعبة التعمية الكلاسيكية المتمثلة في النفي، وكأنها تقول للعالم: «أنت تعرف أنني وراء العملية، لكن لا يمكنك إثبات ذلك». لكن لإيران سوابق في ضرب الناقلات، وأبرزها في الثمانينات عندما اشتعلت حرب الناقلات أثناء حربها ضد العراق بإطلاق صواريخها ضد الناقلات. أيضاً مع الهجوم على الناقلتين في بحر عُمان في 13 يونيو (حزيران) الحالي نقل مسؤولون أميركيون أن طهران أطلقت صاروخاً مضاداً للطائرات على طائرة أميركية من دون طيار كانت لاحظت الزوارق الإيرانية تغلق على الناقلتين، لكن الصاروخ أخطأ الهدف، وأشارت مصادر أخرى إلى أن الحوثيين أسقطوا طائرة أميركية من دون طيار. ثم إن إيران كانت قالت إنها إذا لم تصدّر نفطها، فلن تصدر الدول الأخرى نفطها.

من جهة أخرى، لم يتردد «الحشد الشعبي» في العراق في تنفيذ أوامر اللواء قاسم سليماني، فأطلق أيام الجمعة والسبت والاثنين الماضية صواريخ استهدفت المصالح الأميركية، والسفارة الأميركية.

لكن، وسط تصاعد التوترات، يتفق الخبراء على أن الصراع بين البلدين لا يخدم مصلحة أحد. إنما خطر سوء التقدير، وأهمية التحالفات، وما سيحدث لاحقاً... كلها أمور مثيرة في الأزمة الأميركية - الإيرانية.

يوم الاثنين الماضي قال متحدث باسم «الوكالة الذرية الإيرانية» إنه خلال 10 أيام سوف تجتاز إيران الحد المسموح لتخصيب اليورانيوم منخفض الدرجة، بموجب الاتفاق النووي الموقّع عام 2015. وأرسل الرئيس الإيراني حسن روحاني تحذيراً للأوروبيين الذين لا يزالون ملتزمين بالاتفاق النووي بأن الوقت صار ضيقاً لإنقاذه. لكن الدول الأوروبية كانت حذّرت إيران في الأشهر الماضية بأنها ستعيد فرض العقوبات في حال انتهاك الاتفاق.

يقع قرار الصراع على عاتق إيران وأدواتها (الوكلاء)؛ إذ ماذا سيحدث إذا أصاب صاروخ حوثي مدرسة سعودية؟ ماذا لو شنت الميليشيات العراقية هجوماً كارثياً على قافلة عسكرية أميركية أو غربية؟ ماذا لو أدت إحدى الهجمات الإيرانية على الناقلات إلى كارثة بيئية أو ألحقت أضراراً بالغة بناقلة؟

المعروف أنه بالنسبة إلى القادة الإيرانيين، فإن همّهم الأول هو بقاء النظام. في الوقت الحالي، فإن التأثير الجماعي للعقوبات من أسبابه سوء إدارة إيران اقتصادها، وفسادها الداخلي المستشري، والانخفاض الملحوظ في الناتج المحلي الإجمالي، والتراجع في بيع النفط في الأسواق الدولية.

وقد أدى ذلك إلى ظروف صعبة داخل إيران من حيث التضخم ونقص الأغذية وبعض الأدوية، لكن، كما يقول محدّثي المراقب الأميركي؛ «مع كل هذا؛ فلا نعتقد أن النظام مهدد، ولا نعتقد أن من مصلحتنا تغييره».

مع ذلك؛ الكل معني بأي سوء تقدير يحدث وينتج عنه موقف يصبح فيه أحد الأطراف مضطراً للرد، وقد يؤدي ذلك إلى توسيع دائرة الصراع. يقول محدّثي إن إيران تحتاج إلى تصوير الولايات المتحدة أمام شعبها على أنها سبب كل المآسي، وأنها لن تقبل بذلك، من هنا قررت المواجهة في مضيق هرمز الذي يشكل نقطة اشتعال كبرى؛ إذ يتم نقل خُمس النفط في العالم من

هناك، ونحو ثلث الغاز الطبيعي المسال. المعروف أن مضيق هرمز نقطة استراتيجية مهمة، وسيحاول الإيرانيون التصويب عليه لزيادة التوتر بعض الشيء، لاعتقادهم بأن هذا يرفع من تقدير شعبهم لهم.

إن المسؤولين الإيرانيين قلقون من «ثورة خضراء» أخرى؛ حيث يخرج الناس إلى الشوارع ويحتجون على انهيار قيمة الريال وارتفاع تكلفة السلع الأساسية.

ويقول لي مختص في الخطوط البحرية: «لنأخذ مضيق هرمز في المفهوم الجغرافي؛ إنه مفتاح الربط لكل النفط المتدفق من الكويت والعراق ودول الخليج الأخرى إلى المحيط الهندي ومنه إلى الأسواق العالمية. إنه طريق التجارة لاستيراد آسيا النفط».

يضيف: «يعدّ مضيق هرمز مضيقاً دولياً في ميثاق الأمم المتحدة الذي يحمي قوانين البحار، وحرية العبور فيه تخضع للقوانين الدولية، وإذا حاولت قوة إقليمية مثل إيران الجالسة على ممر مائي استراتيجي مثل المضيق، عرقلة مرور البضائع فيه، فإنها تخرق بذلك قانون البحار الدولي». وأعود إلى محدّثي الأميركي الذي يرى أن «أفضل شيء يمكّن أميركا من الخروج من هذه الأزمة هو تكوين ائتلاف تجمعه حماية التدفق الحر للتجارة... بعبارة أخرى؛ جعل المجتمع الدولي يقف محذّراً إيران كي تتوقف عن هذه العمليات المائية، لأنها لن ترى في وجهها الولايات المتحدة فقط؛ بل سترى تحالفاً موحداً يضم أوروبا وآسيا ودول مجلس التعاون الخليجي».

في الماضي كانت العقوبات فعّالة ضد إيران، لأن ائتلاف دول كان يقف وراءها.

إن التحالف الموحد مؤشر واضح على أنه إذا استمرت إيران في تعطيل التجارة، فإن النتيجة ستكون غير ما تتوقع، وليس تهديد دول الخليج أو التعامل مع أوروبا بدل الولايات المتحدة... ستواجه ائتلافاً للأمم ضد تصرفاتها. من حق أوروبا حماية الصفقة النووية، لكن عدم رغبتها في التحدث عن دور إيران في اليمن يحكي كثيراً عن القيود الدبلوماسية التي فرضتها أوروبا على نفسها من أجل رضا إيران.

ماذا سيحدث الآن؟

المفاوضات الآن غير مرجحة، لأنها تعني للمتشددين الإيرانيين تنازلات بشأن قضايا ذات اهتمام كبير لديهم. لكن سيصبح من الصعب أيضاً على إيران أن تنتظر إدارة أميركية جديدة أكثر تعاطفاً، وذلك بسبب احتمال أن تؤدي العقوبات إلى اضطرابات كبيرة. من الواضح أن هدف واشنطن هو الضغط على طهران للمجيء إلى طاولة المفاوضات، بعدما كانت كل إيران سابقاً وافقت على مفاوضات في ظل ضغوط أقل. لكن إيران تتردد في التفاوض مع إدارة ترمب التي لا تميل إطلاقاً إلى عرض صفقة جيدة عليها. لكن هذا لا يعني أن إيران لن تذهب إلى طاولة المفاوضات مع الإدارة الأميركية الحالية، لأن «الطاولة» قد تتيح للجانبين الفرصة لكسب الوقت وتقليل احتمالات حدوث صراع أوسع لا يريده أي منهما.

وأسأل محدّثي: ماذا ستكون نقطة التحول في الموقف الأميركي؟ يجيب: «إذا شن الإيرانيون هجوماً كبيراً علينا، أو إذا قام أحد وكلائهم بذلك، فسوف يكون ذلك، وبكل تأكيد، انتحاراً للنظام». يضيف: «نشر حاملة الطائرات الأميركية (أبراهام لينكولن) وطائرات (بي52)، ثم الإعلان عن طريق الإعلام بأن لدينا خطة لنشر 120 ألف جندي في الشرق الأوسط، إنما هي تحركات متعمدة لإفهام الإيرانيين بأننا جادون». وأسأل: إلى أي مدى سوف يذهب الإيرانيون؟ يجيب: «أعتقد أنهم يزدادون يأساً».

في النهاية؛ علينا أن نفهم أن «الحرس الثوري» لا يتصرف بعشوائية في الساحة الاستراتيجية، إنه جزء ثابت من مؤسسة اتخاذ القرار. فإيران ليست جماعات مسلحة... إنها دولة استبدادية توسعية تقوم بعملية استراتيجية ثابتة ومنظمة.