يتذكر العالم خطابات المسؤولين الايرانيين العسكريين وهم يهددون باستهداف نفط العالم في حال تمّ حظر النفط الإيراني وبأنّ إيران لن تسكت في حال اشتدّ الحصارُ النفطي عليها، محذّرين الولايات المتحدة الأميركية من انّ صواريخهم قادرة على ضرب الناقلات والحاملات الأميركية في عرض البحر في حال ضاق الخناق على الإقتصاد الإيراني، وبأن نفط العالم ليس أبدى من نفط إيران.
 

الحدث الأمني في مضيق هرمز بحسب تحليل الخبير العسكري والجنرال المتقاعد خليل حلو هو مؤشر خطير جداً ولن يكون حدثاً عادياً او عابراً كمثل سابقاته، وإنّ الضربة العسكرية على حاملات النفط ليست غامضة، في وقت تُجمع المعطيات الأوَّلية على احتمال كبير أن تكون الباخرة المحمَّلة بالنفط الخام قد استُهدفت بواسطة طوربيد، وإذا ثبت الأمر فمن غير الممكن أن يكون مصدر هذا الطوربيد مكاناً آخر غير إيران، لأنّ الطوربيدات ليست بمتناول أيدي الحوثيين و»حزب الله» أو غيرهما من المنظمات.

ولفت حلو الى أنّ الحادثة هي رسالة من رسائل عدة وجّهتها إيران من خلال استهدافها قبل هذه الحادثة مطارَ أبها بواسطة صاروخ كروز، واستهداف أربع ناقلات نفط ومنشآت نفطية في شمال الرياض منذ قرابة الشهر.

واعتبر حلو أنّ الكرة اليوم بيد الأميركيين، متوقّعاً أن مَن حشد خمسين الف عسكري في الخليج وحاملة طائرات ومجموعتي إنزال للمارينز، لن يقف مكتوفَ الأيدي امام ضربة مماثلة، لأنّ الأنظار اليوم موجّهة على ردة فعل الولايات المتحدة إزاء ضربة مشابهة، وإذا لم تكن ردة فعلهم بمستوى هذا الإستهداف يكون الأمر مستغرَباً لأنّ مصداقية الولايات المتحدة ستكون على المحك وهنا تكمن المشكلة.

والسؤال المطروح هو ما إذا كان التوقيت الحالي مناسباً لترامب، وهل تريد الولايات المتحدة الرد في هذه المرحلة؟

بعض المحللين الإقتصاديين يرون في الضربة مصلحةً مزدوجةً لإيران ولأميركا معاً، والأخيرة ستستفيد من بيع «نفطها» أي الغاز الصخري الذي يزداد إنتاجها وتصديرها له الى أوروبا.

إلّا أنّ البعض الآخر ناقض هذه النظرية معتبراً أنّ حسابات الولايات المتحدة ليست اقتصاديةً بحتة، بل أيضاً إنّ مصداقيتها وقوّتها العظمى أمام العالم على المحك، فهي لا تريد أن يستخفّ بقدراتها الإيرانيون لا سيما امام الرأي العام الإيراني وحلفاء إيران في المنطقة.

فالولايات المتحدة اليوم في موقف محرج وهي أمام امتحان سيّئ، فإذا لم ترغب بالدخول في حروب لا تنتهي كما قال ترامب سابقاً ستتذرّع بالتمهّل للإنتهاء من التحقيق. أما إذا اتهمت إيران بالمباشر فهذه اشارة إلى أنّ ردّها سيكون بالمرصاد ولن تأخذ وقتاً طويلاً لتنفيذه.

في المقابل يرى حلو أنّ حرب أميركا الأساسية اليوم هي حرب اقتصادية مع الصين وهدفُها السيطرة على المحيط الهادئ، فيما شبّه الضربة الإيرانية في حال أُثبتت بلعبة بوكر، وخيار «الضربة» قد تكون ارتداداته برأيهم أقل ضرراً عليهم.

كيف سيكون الرد؟ خيارات الرد لدى أميركا عدة وهي بحسب حلو لا تزال في طور الدراسة اليوم:

الخيار الأول عدم الرد العسكري، إنما فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية.

الخيار الثاني زيادة العقوبات على الصادرات المعدنية.

الخيار الثالث القيام بضربة عسكرية محدودة. لكنّ محاذير هذه الضربة تكمن بوسائل الرد التي تمتلكها إيران، وهي ليست كلاسيكية، لأنها لا تحسب حساباً اليوم للطيران والبحريّة والدبابات، بل تراهن على تحريك حلفائها في المنطقة أي الحشد الشعبي في العراق، ولديها ٣ تنظيمات كبيرة و٦ آلاف عسكري اميركي في العراق، ومن الممكن شنّ حرب عصابات على هذه المجموعة الأميركية العسكرية في العراق لإدخال اميركا عندئذٍ بدوامة حروب لا تنتهي ولا يريدها ترامب. كذلك في سوريا التي ما يزال فيها ٢٠٠٠ عسكري أميركي.

ولكنّ بعض المحللين يرى في المقابل أنّ الولايات المتحدة قد تحرك بدورها الميليشيات السنّية على الحدود الإيرانية بوجه الحرس الثوري أو حتى الجيش النظامي وقد تساندهم جوّاً بهجمات صاروخية أو حتى من البحر... فكل الإحتمالات واردة، ولذلك جاءت تغريدة وليد جنبلاط الذي اعتبر أنّ الأمر مؤشرٌ خطير جداً. فالنقاش في أميركا اليوم بحسب المحللين محتدمٌ بين المؤيّدين للضربة أي بولتون وغيره وبين الذين لا يريدون إقحام أنفسهم بالحرب، ويفضّلون تجنيد الأمم المتحدة والرجوع الى مجلس الأمن، والطلب من الحلفاء فرض حصار على إيران وانتزاع قرار من مجلس الأمن بإدانتها، وفرض عقوبات عليها ضمن إطار النفط مقابل الغذاء.

فيما اعتبر محلّلون أنّ خيارات الفريقين سيّئة جداً ولهذا السبب قد تدخل المنطقة في صدام عسكري نعلم كيف يبدأ ولكن لا نعلم كيف ينتهي والى أين سيصل. أما انعكاسات التوتر في المنطقة على لبنان فقد يهدّد التسوية الرئاسية والتركيبة الوزارية التي قد تتأثر ربما بطريقة او بأخرى إذا رصدنا مواقف الأفرقاء من أحداث عدة أخيراً، أبرزها موقفا «حزب الله» والحريري المتناقضان من استهداف الناقلات الأربع ومن مؤتمر مكة.

إيران والورقة الأمنية في السياق حلّل الجنرال المتقاعد ناجي ملاعب الضربة بالقول إنه عملياً إذا وافقت إيران على دخول المفاوضات، فليست لديها اوراق تستخدمها أكثر من الورقة الأمنية، لافتاً الى سياسة الدبلوماسية الإيرانية المتّبعة التي هي ذات وجهين للرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف، وقد لا يكونان على علم بمَن أخذ قرار الضربة في ظلّ وجود جهتين داخل إيران: الحرس الثوري ودبلوماسية ظريف.

ولا يخفى على أحد أنّ دبلوماسيّة ظريف تحاول أن تظهر بصورة الراغب بالتوافق مع العرب، وبأنّ أمن الخليج من أمنها وتدعو الى عدم إقحام الولايات المتحدة في الأزمة بين إيران والعرب. إلّا أنّ الحقيقة وفق تعبير ملاعب أنّ الفريقين في الخندق نفسه «الأول بيده القرار والثاني هو سِتار».

في المقابل يطرح ملاعب سؤالاً مثيراً للجدل «هل أميركا منزعجة فعلاً من استهداف ناقلتي النفط؟ موضحاً انّه بعد استخراج أميركا لغازها الصخري بكثرة في بلادها لم تعد بحاجة كالسابق الى بترول الخليج بفضل إنتاجها من الغاز الذي يتجاوز يوماً بعد يوم إنتاج السعودية من النفط، وقد بدأت تعرض «نفطها» على أوروبا...».

بمعنى آخر، ووفق تحليل ملاعب، قد لا تعارض الولايات المتحدة في العمق هذه الضربة لأنها عملياً ستعرقل قدوم النفط الى أوروبا من خليج العرب في المقابل سيرتفع سوق الغاز في أميركا. لكنّ هذا الإستنتاج يبقى مجرد تساؤل لأنّ ترامب بالطبع سيعلي الصوت وينتفض ويهدّد...

أما السؤال الأهم الذي يُطرح أمام هذا الحدث الأمني الكبير في المنطقة: «مَن المتضرّر أكثر من الضربة التي استهدفت الحاملات في بحر عُمان؟ أميركا أم أوروبا واليابان تحديداً؟ ومَن هي البلدان التي تستفيد من مضيق هرمز ومتضرّرة فعلياً أكثر من غيرها؟