على نسق الإثارة اللامرئية للحدث التي ينتهجها الكاتب عتيق رحيمي في روايته «حجر الصبر»، يرسم الكاتب محمد البساطي في روايته «فردوس» قصة امرأة تدعى فردوس يخلو بها الدهر ويركنها بين المهملات في بيتها الصغير المكوَّن من غرفةٍ واحدة، وزوجها يعيشُ مع زوجته الأولى وأولاده على بعد خطواتٍ قليلةٍ منها، ولكنّها لا تراه إلّا بين فترة وأخرى لمدّةٍ وجيزة، يمرّ بها عليها ليحتسي عندها الشاي، ويدخّن «الجوزة» ويمضي لحال سبيله.
 

يعود بنا البساطي إلى الذاكرة الأولى للوجع، حيث تبدأ معاناة فردوس من منزل أهلها عندما تموت أمّها، وتبقى مع أبيها وأختها في المنزل بعد هجر أخيها للمنزل وزواجه ومشاجرته مع والدهم، بسيب اعتراض الأخير على هذا الزواج.

أشنع معاملة يتقدّم عريسٌ لأختها فتتزوج وترحل إلى قرية أخرى، وتبقى فردوس مع أبيها، تخدمه وتمرّضه وتسهر على راحته في أيّامه الأخيرة.

بعد وفاة الأب، يعود أخوها للسكن في منزل العائلة مع أسرته، فتعامل الزوجة فردوس أشنع معاملة، وتكاد تمنحها صفة الخادمة للبيت. وعندما يتقدّم موافي لخطبتها، وهو الفلاح الذي كان يزور أباها في الماضي، يمنحه أخوها ثلاثة فدادين ليزرعها، ويبني منزلاً لأخته يضعه باسمه، ويعقد مع الخطيب صفقة الزواج ليتخلّص منها، رغم علمه بأنّه متزوّجٌ وربُّ عائلة.

على ظهر حمار امتطته، ومن دون زفاف، باستثناء القليل من الحنة التي وضعتها في قدميها ويديها، يظللها مغيب الحزن، ترحل فردوس مع زوجها إلى بيتها الجديد، كما تساقُ شاهٌ معدّةٌ لحتفها الأخير.

في أوّل عام، لم يكن ليفارقها أو يملّ معاشرتها. ولكنّه تغيّر فجأة، وعاد لدار زوجته الأولى وأهملها إهمالاً فادحاً، بل لم يعد حتى يعودها لأسابيع طويلة، من دون اعتراضٍ من جانبها، أو تبريرٍ من جانبه. ولكنّها صبرت، راضيةً بحجرتها النظيفة والدجاج الذي تربّيه، والعنزة التي ترعاها كلّ مساء، معلّلةً نفوره منها بأنّها لم تنجب له رغم مضيّ خمس سنوات من زواجهما.

 

توتر وتصعيد تتوتّرُ خيوط الحبكة وتتّجه للتصعيد عندما يحاول سعد المراهق، وهو ابن زوجها التحرّش بها. في بادئ الأمر، لم تعر الموضوع التفاتاً، قانعةً نفسها بأنها محض أوهام. ولكنّ محاولاته تتكرّر، ولا يجدي نهرها له، بل يزيده إصراراً على المضيّ في أفكاره الشيطانية. فيراقبها عند خروجها وعودتها، ويزورها في منزلها كلّ مساء وقد أوصدت الباب والشباك رغم الحر لتفاديه، متسلّقاً السلم إلى السطح، هابطاً بواسطة الحبل إلى المنزل. وعندما تسدّ عليه السبل وتقطع الحبل، يكتفي بأن يجلس على عتبة دارها، ليناجيها، ويسرد عليها قصصاً وهميّة عن أصدقائه الذين يتبعونها ويقتفون خطاها، ويرونها منحنية فيثارون، ويتّهمونه بمعاشرتها. فيتشاجر معهم إلى ما هنالك. ويشعر بها من وراء الباب المغلق وهي تبدّل ملابسها، ويصيح بها بنشوة المراهق: «أنت عريانة يا خالة»؟. تفكر بل تقدم على مغادرة منزلها للعودة عند أخيها، ولكنّها تتراجع في منتصف الطريق وقد تذكّرت أفعال زوجته، وتعنّتها، فتهرع عائدة قبل أن يلاحظ أحد غيابها.

يثير فيها سعد لاإراديّاً حسّ الأنوثة الغافي في أعماقها، فهي لم تعد تتذمّر من قدومه بل تنتظره، ولا يجفلها شخصه كما كان في السابق، ولكنّها تتركه يتكلم دون أن تردّ بحرف.

شعور مخدّر ينقطع سعد بغتة عن حضوره إليها، وعندما يدعوها زوجها إلى تناول الإفطار معه ومع عائلته في أول يوم من رمضان، يخبرها الجميع بخطبة سعد إلى ابنة خالته، فيسري في روحها شعورٌ مخدّر كدبيب النمل، لا تدري كنهه. وتبلغ الوقاحة بزوجها أن يطلب منها بأن تكلّم أخاها بأن يؤجّر له ثلاثة فدادين لابنه سعد للعمل فيها، وكأنّ صفقة زواجه بها تمتدّ لأولاده دون نهاية.

تنتهي الرواية بمحاولة سعد زيارتها بعد أيام ولكنها لا تأتي بأيّ حركة تدلّ على استيقاظها فيرحل. يغوص محمد البساطي في أدقّ التفاصيل الصغيرة من شخصية المرأة وشعورها، ويتكلم عن شعور فردوس خلال الدورة الشهرية بالآلام المبرحة والضيق النفسي، ويستخدمُ أشرعة التجديف في يمٍّ متلاطمٍ من الرغبة والصد، والتقوقع النفسي والانفتاح المفاجئ في شخصية بطلته، فتتفشّى الرغبة المكبوتة في أعماقها كشلّالٍ هادرٍ تردعه بالصمت، الصمت الذي أصبح جزءاً من كيانها يلاحقها كالمرآة، فلا هي تطالب زوجها بحقوقها الشرعية، ولا تضع حدّاً مبرماً لنزق ابن زوجها، ولا تصرخ بوجه أخيها مطالبة بحقّها من ميراث أبيها.

أسلوب عتيق رحيمي واضحٌ في التركيب البنائي الفنّي للرواية، وحتى العنصر التشويقي المستخدم في تطوير وتحضير الحدث، وتحديث السرد.و وربّما جاء التشابه تلقائيّاً بشفافية الإبداع المرصوص بتأنٍّ وحذر، لاستقطاب تشويق المخيّلة للمتلقي.

محمد البساطي كتب عن المرأة بشغف فضولي، ودخل في عالمها بانسيابٍ رقراق، موجز وهادف، يلقي الضوء الخافت على معاناتها، ليوجز الحلّ في النهاية، في الصمت المطبق.