فقدان الحريات في تركيا من أكثر القضايا التي ينتقدها الاتحاد الأوروبي، وسياسة أردوغان القمعية شوهت صورة البلاد دوليا.
 
لم تعد التقارير، التي صدرت عن الاتحاد الأوروبي بشأن تركيا، خلال السنوات الماضية، تثير الكثير من الانتباه كما كان يحدث في الماضي، ويرجع ذلك إلى العديد من الأسباب أهمها أن المفاوضات بين تركيا والاتحاد الأوروبي حول انضمام الأولى للاتحاد قد تم تعليقها بالفعل، وأنه بات من الصعوبة بمكان، وفق هذه التقارير، استئنافها مرة أخرى. ومع إصرار نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على انتهاك دولة القانون وحقوق الإنسان يتباعد يوما بعد آخر حلم تركيا في عضوية بالاتحاد الأوروبي.
 
وعلى الرغم من حدة التقرير، الذي صدر عن الاتحاد الأوروبي هذا العام، إلا أن عدداً قليلاً من الصحف هي التي أفردت مساحة في صفحاتها للحديث عنه. وهو ما يكشف هيمنة النظام التركي على وسائل الإعلام المحلية وتقويضه لحرية التعبير.
 
ويؤكد التقرير الأوروبي حدوث تراجع حاد في شتى أنواع المجالات في تركيا، وعلى رأسها المجال الاقتصادي، ويلقي باللوم – في عدد من المواضع – على النظام الرئاسي، الذي بدأ تطبيقه مؤخراً في البلاد، وهذا يعني أن أردوغان، بوصفه رئيس الدولة، وأول من وضع دعائم النظام الرئاسي، كان موضع الحديث في عدد من النقاط التي وردت في ثنايا هذا التقرير.
 
استخدم التقرير لغة دبلوماسية في الحديث عن هيمنة رئيس الجمهورية على القضاء في تركيا، واهتزاز الثقة بالنظام الانتخابي بأكمله، بعد إلغاء الانتخابات المحلية في إسطنبول، فضلاً عن تزايد الفساد وفرض قيود أكثر صرامة عما كانت عليه العام الماضي على الحريات، لاسيما حرية الصحافة، وحرية الرأي، والحق في التجمع والتظاهر. وفي المقابل من ذلك، ذكر التقرير أن التقدم الوحيد الذي يُحسب لتركيا كان بخصوص الاتفاقات الخاصة باللاجئين.
 
مواطنون خلف القضبان
من أكثر القضايا التي ينتقدها التقرير الأوروبي وجودُ عشرات الآلاف من المواطنين خلف القضبان الحديدية في تركيا، بسبب توسيع نطاق جريمة الدعاية الإرهابية على نحو ينتهك مبدأ حرية الفكر والتعبير، ويصل في كثير من الأحيان إلى حدّ اعتقال كلِّ مَنْ عبّر عن رأيه وفكره.
 
ويؤكد التقرير أن 20 بالمئة من الموجودين في السجون يواجهون تهماً لها علاقة بالإرهاب، وأن السلطات داخل السجون مستمرة- منذ فترة طويلة- في معاملتهم بشكل سيء للغاية، وتمنعهم من إجراء الفحوصات الطبية والالتقاء بذويهم، كما لا يُسمح لمنظمات حقوق الإنسان بدخول السجون للوقوف على الظروف اللاإنسانية التي يعيشها المساجين.
 
ويكشف التقرير إلى أنّ هناك عشرات الآلاف من المواطنين لا يزالون في السجون التركية، ويؤكد – في أكثر من موضع – أن اللجنة التي شُكِّلت عقب إعلان حالة الطوارئ لم تُنصف الذين أُبعدوا عن وظائفهم، وهذا يبرر لجوء عشرات الآلاف منهم إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وتحدث عن الأوضاع المزرية داخل السجون التركية، التي يشغلها أعداد كبيرة لا تقل عن 250 ألف شخص؛ منهم 57 ألف معتقل، بالإضافة إلى 743 طفلاً يقبعون في السجون مع أمهاتهم.

وعلى الرغم من رفع حالة الطوارئ إلا أن القوانين التي صدرت حديثاً أعطت الحق في تمديد حالة الطوارئ لثلاثة أعوام أخرى، وتطبيق كافة الممارسات التعسفية المصاحبة لإعلان حالة الطوارئ.

وأفرد التقرير مساحة كذلك للحديث عن الأشخاص الذين اختفوا قسرياً، مؤكدا أن هؤلاء الأشخاص لم يخضعوا للتحقيقات، ولم تُتح لهم فرصة الدفاع عن أنفسهم. ويعبر- في الإطار نفسه- عن بالغ القلق إزاء واقعة القبض على ستة من المواطنين الأتراك في كوسوفو في شهر مارس عام 2018 الماضي، وترحيلهم بعد مطالبات عديدة من جانب الحكومة التركية. ويلفت الانتباه إلى كم الضغوط والممارسات التعسفية والاعتقالات التي تعرضت لها جماعة فتح الله غولن في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو، ويؤكد أنّ ما لا يقل عن 100 ألف مواطن خضعوا للتحقيقات، وزُج بهم في السجون، بذريعة الانضمام إلى جماعة فتح الله غولن.

من ناحية أخرى، أعربت البرلمانية الهولندية ومُقررة تركيا في الاتحاد الأوروبي كاتي بيري عن قلقها البالغ إزاء استمرار عمليات التعذيب داخل السجون التركية، داعيةً المفوضية الأوروبية إلى عدم الاكتفاء بتدوين ملحوظات عما يحدث في السجون، وأن تسارع بوضع استراتيجية لمعالجة هذا الوضع المأسوي.

قيود على الإعلام والقضاء

كانت المعاناة التي تعيشها الصحافة التركية في الوقت الراهن من أكثر الموضوعات التي تعرَّض لها التقرير في مواضع شتى؛ حيث وصل عدد الصحافيين داخل السجون في تركيا- وفق التقرير- إلى 160 صحافياً؛ منهم أحمد ألتان ومحمد ألتان ونازلي إليجاك الذين حُكِمَ عليهم بالسجن مدى الحياة، بزعم علاقتهم بجماعة فتح الله غولن، وهو أمر يبعث على قلق عميق. وفي ذات الصدد، يرصد التقرير كذلك تراجع حرية الصحافة بشكل أكثر سوءا مما كانت عليه في التقرير السابق، مؤكداً عدم التزام تركيا بأي من توصيات الاتحاد الأوروبي في هذا الإطار. ولم يكن لهذا معنى آخر سوى أن الصحافة التركية لا تزال تتعرض ﻟ”ضغوط شديدة” من جانب الحكومة التركية.

وبخصوص الوضع الاقتصادي، يؤكد التقرير أن الدولة قامت بمصادرة 1008 شركة تقدر قيمتها بـ8.8 مليار يورو، وأسندت مسؤولية إدارتها في ما بعد إلى صندوق تأمين ودائع الادخار، وهو الأمر الذي أثار مخاوف المستثمرين بشدة.

ويذكر التقرير أن المديرية العامة للصحافة والإعلام أصبحت مرتبطة الآن بشكل مباشر بالرئاسة، وأن سلطة إصدار بطاقة الصحافة الصفراء قد تم نقلها إلى الرئاسة كذلك، ويشير إلى الصعوبات التي يواجهها الصحافيون عند استخراج كارت الصحافة الأصفر أو تجديده.

أفرد التقرير مساحة خاصة للحديث عن مواقع الإنترنت في تركيا، وذكر أن الحكومة التركية قامت بحظر 244 ألف موقع على الإنترنت؛ منها 2 بالمئة فقط تم حجبها بموجب أمر قضائي. ونحن نعرف أن السلطات التركية تقوم بحجب موقع ويكيبيديا الشهير منذ أبريل 2017 إلى الآن. ومن ناحية أخرى، لم تتوقف الحكومة عن ممارسة ضغوطها على وسائل الإعلام الكردية كذلك.

ومن ناحية أخرى، تعرضت استقلالية القضاء لانتكاسة خطيرة عندما أجبر 30 بالمئة من القضاة والمدعين العامين على ترك وظائفهم بعد يوليو 2016، كما أن الدولة لم تراع الموضوعية والجدارة في اختيار

القضاة والمدعين العامين، الذين تم تعيينهم في أماكن أقرانهم، وهو ما جعل القضاء يعيش أزمة لا تزال مستمرة إلى الآن.

وشدّد التقرير على أن تركيا تشهد تراجعًا خطيرًا في سيادة القانون والحقوق الأساسية، مرجعا سبب ذلك إلى تعرض مبدأ الفصل بين السلطات للضعف، وزيادة الوصاية السياسية المفروضة على جهاز القضاء، بالتزامن مع دخول التعديلات الدستورية الجديدة حيز التنفيذ.

 ويشكك المراقبون في مصداقية الإصلاحات القضائية التي أعلن عنها أردوغان مؤخرا ردا على الانتقادات الأوروبية، وأنها مجرد وعود سيقع استثمارها انتخابيا مع اقتراب إعادة انتخابات إسطنبول المحلية في 23 يونيو الجاري.