على خط التسوية السياسية، بدا واضحاً انّها محمية بتمسّك طرفيها بها، وإجماعهما على انّها اقوى من ان تتأثر بسوء تفاهم طبيعي او تباين في الآراء حول بعض الامور، وهو ما اكّد عليه "التيار الوطني الحر"، وايضاً "تيار المستقبل".

في هذا السياق، عبّرت مصادر "بيت الوسط" عن امتعاضها من التسريبات التي تحدثت تارة عن استقالة الرئيس الحريري او اعتكافه. وقالت لـ"الجمهورية": انّ كل ما قيل في هذا الإطار لا اساس له من الصحة، وانّ الأمور لا تقف عند بعض الآراء الخاصة التي يُطلقها البعض بين وقت وآخر".

وأشارت المصادر الى انّ "عودة الحريري ستضع حداً لكل هذه الروايات على امل ان تنطلق الجهود لمواجهة الإستحقاقات المقبلة على اكثر من مستوى أمني وسياسي واقتصادي بالإضافة الى مواكبة النقاش الجاري في مجلس النواب للإنتهاء من ملف الموازنة العامة في اسرع وقت ممكن. وهي الخطوة التي تشكّل رسالة واضحة الى المجتمع الدولي حول جهوزية لبنان لإطلاق خطة النهوض التي خاطب لبنان بها العالم والدول المانحة في مؤتمر "سيدر واحد".

الموازنة
الى ذلك، تنطلق في مجلس النواب اليوم، "ورشة الموازنة"، في الجلسات المتتالية التي تعقدها لجنة المال والموازنة نهارا ومساء حتى الانتهاء منها ضمن السقف الزمني المحدّد حتى منتصف شهر تموز المقبل. وبحسب الأجواء السائدة عشية الجلسة، فإنّ مشروع الموازنة تنتظره حماسة نيابية للنقاش وطرح تعديلات إضافية على المشروع ومحاولات لالغاء بعض البنود التي تضمنّها المشروع، كما أحالته الحكومة الى المجلس.

خليل لـ"الجمهورية"
وقال وزير المال علي حسن خليل لـ"الجمهورية": "من الضروري الّا تتأثر ورشة الموازنة بالتشنجات السياسية التي حصلت في الآونة الاخيرة، والتركيز يجب ان يكون على نقاش سريع ومسؤول".
اضاف خليل: "يجب الّا يغيب عن بال القوى السياسية، انّ الاولوية والتحدّي الدائم، هو معالجة الوضع الاقتصادي، ونحن كوزارة مالية، منفتحون على كل نقاش، ولدينا اجوبة عن كل الاسئلة التي طُرحت في الجلسة الاولى للجنة المال والموازنة، مع التأكيد على انّ جزءاً كبيراً منها هو محق، وبالتالي مستعدون لكل نقاش حقيقي ومنتج".

شهيب لـ"الجمهورية"
وأمل وزير التربية اكرم شهيب إنجاز الموازنة سريعاً، وقال لـ"الجمهورية": "خلال النقاش في مجلس الوزراء وقفنا ضد كل ما يتعارض مع مصالح الطبقة الوسطى التي تعاني ما تعانيه، واكّدنا على عدم تحميلها أية اعباء، بل يجب ان تتحمّل هذه الأعباء الفئات القادرة".
واشار الى انّ الكتلة ستشارك من هذه الخلفية في اجتماعات لجنة المال، مع التأكيد على الاستفادة من الاملاك النهرية والبحرية ومن الضريبة التصاعدية ومن كل الامور التي يمكن ان ترتد بفائدة على الخزينة، "ومن هنا ستكون كتلتنا مشاركة في كل تفصيل، ولها موقف ودور دفاعاً عن حقوق الناس".

وإذ اشار شهيب الى "اننا تحفظنا في مجلس الوزراء على الجدول رقم 19 المتعلق بوزارة الاشغال، وسنطالب خلال اللجنة ببرنامج واضح حول موضوع المهجرين، خصوصاً انّ المصالحات قد شارفت على الاكتمال، حيث لم يبق سوى مصالحة كفرسلوان التي تتطلب علاجاً لبعض التفاصيل، مع الاشارة الى انّ الاموال التي طُلبت ( 40 مليار ليرة) لهذا الملف لا نعرف لماذا هذا المبلغ الكبير، ويُخشى ان تكون خلفه غايات سياسية".

افيوني لـ"الجمهورية":
وقال وزير الدولة لشؤون الاستثمار والتكنولوجيا عادل افيوني، انّ " الاولوية اليوم هي تحقيق الارقام التي تمّ الالتزام بها في الموازنة، وتخفيض العجز وتنفيذ الاصلاحات". معتبرا انّ "هناك تشكيكاً في الاسواق ولدى المراقبين وحتى وكالات التصنيف العالمية بقدرة لبنان على تخفيض العجز، وبالتالي من الضروري ان نثبت للاسواق ووكالات التصنيف والمؤسسات المالية العالمية والمستثمرين، اننا جديرون بالثقة وجدّيون في استعادة ثقة المواطنين، ولكي نستعيد الثقة يجب ان يكون هناك تضامن حكومي وتعاون بين كل المكونات السياسية".

وشدّد افيوني على وضع خطة اقتصادية لتحقيق الاصلاحات والانطلاق نحو إصلاحات بنيوية للاقتصاد اللبناني، واغلبها تمّ الاتفاق عليها في مؤتمر "سيدر"، وهي إصلاحات قطاعية ومالية لتفعيل الاقتصاد في القطاعات الانتاجية وترشيد الانفاق في القطاع العام وتحقيق خطة الكهرباء.

كنعان لـ"الجمهورية":
وقال رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان لـ"الجمهورية: "سنمارس رقابتنا البرلمانية المتشدّدة والفاعلة في لجنة المال والموازنة على مشروع موازنة 2019 تحقيقاً للإصلاح البنيوي الذي عملنا له وأوصينا به سابقاً، من خلال 37 توصية وافق عليها المجلس النيابي بهيئته العامة مرتين عند اقرار موازنتي 2017 و2018. وانني ادعو الزملاء النواب الى عزل النقاش عن الخلافات والمزايدات السياسية خصوصاً في هذا الظرف، حيث انظار العالم محلياً وخارجياً شاخصة على عملنا، وأمل اللبنانيين بإنقاذ اقتصادهم وحماية معيشتهم واستقرارهم ومستقبل أولادهم يتوقف كثيراً على آدائنا".

جابر لـ"الجمهورية":
وقال عضو "كتلة التنمية والتحرير" النائب ياسين جابر لـ"الجمهورية": "انّ الكتلة ستذهب الى جلسات لجنة المال والموازنة بعقل منفتح، وستخوض نقاشاً معمقاً ودقيقاً حول كل ما يمكن ان يحفظ مصلحة الناس والمصلحة العامة".

ورداً على سؤال قال: "يستطيع النواب ان يناقشوا ما يشاؤون، ولكن نحن بدورنا، سنناقش بدقّة، كل ما هو مطروح امامنا، وسنتقدّم بتعديلات لتحسين الموازنة ان كان الامر يتطلب ذلك".

فضل الله لـ"الجمهورية":
وقال عضو "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب حسن فضل الله لـ"الجمهورية": "لقد سبق لـ"حزب الله" ان اقام ورشة داخلية في ما خصّ الموازنة، وحدّد المبادىء التي على اساسها سيقاربها، وصاغ مجموعة من الاقتراحات التي أخذ ببعضها، ووزراء الحزب عبّروا عنها في نقاشاتهم المستفيضة في مجلس الوزراء".

 
 

اضاف: "الآن ومع بدء جلسات لجنة المال، سنكون حاضرين فيها بروحية التعاون لإنجاز موازنة يكون فيها القدر الاكبر والجاد من الاصلاحات، وتخفيف بؤر الفساد وللحدّ قدر الإمكان من الانفاق غير المجدي، او ما أُطلقت عليه وصف الهدر المقونن".
واكّد فضل الله، "اننا سلفاً نؤكّد رفضنا اي ضرائب تطال الفئات المحدودة الدخل، ومن بينها ضريبة الـ2% على كل السلع المستوردة، هذه الضريبة رفضناها في مجلس الوزراء، وصوّتنا ضدّها، وسنسعى الى عدم تمريرها في لجنة المال، كما سنحاول السعي لالغاء كل ما يطال الفئات الفقيرة".

وقال: "مما لا شك فيه انّ الموازنة تحمل عناصر ايجابية تسهم بنسبة معينة من الاصلاح، كما تتضمن مواد اخرى تحتاج الى تعديل او الى الغاء ونحن سنعمل في هذا الاتجاه".

عون لـ"الجمهورية":
وقال عضو "تكتل لبنان القوي" النائب الان عون لـ"الجمهورية": "بحسب الأجواء السائدة، واضح انّ النقاش في لجنة المال والموازنة مفتوح، وثمة قناعة لدى جميع الاطراف بأنّ الموازنة ستُقرّ في نهاية الامر، لكن لا احد يستطيع من الآن تحديد الصيغة التي ستُقرّ فيها".

اضاف: "نحن ذاهبون الى لجنة المال والموازنة بكل انفتاح، ولسنا مقفلين على النقاش، هناك امور سبق وأُقرّت في مجلس الوزراء وهذا لا يعني نهاية الامر، إذ قد تكون قد تجمعّت لدينا معطيات اضافية، قد تجعلنا نطالب مجدداً بالغائها والعودة عنها".

وتابع: "لسنا ذاهبين لكي نبصم على الموازنة، بل سيكون هناك نقاش مستفيض حول العديد من البنود، وما نطمح اليه هو ان نصل الى موازنة اكثر اصلاحية واكثر عدالة".

"الكتائب"
وفي معلومات لـ"الجمهورية"، انّ رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل سيشارك اليوم في اجتماع لجنة المال، وانّ الجميل يريد من هذه المشاركة ان يتم الاستعداد للنقاش الذي سيحصل في الهيئة العامة فور إحالة مشروع الموازنة من اللجنة الى الهيئة العامة. وهو قد سيشير في مداخلاته الى الطريقة التي وُضعت فيها الموازنة والثغرات التي تعتري المشروع.

نمو خجول
وفيما تترقّب أوساط مالية بحذر ما ستكون عليه ردّة الفعل الرسمية من قِبل الدول المانحة المشاركة في "سيدر" حيال صيغة مشروع موازنة العام 2019، تتوالى التقارير الدولية التي تشير في غالبيتها الى استمرار تزعزع الثقة بقدرات الاقتصاد اللبناني على النمو في المرحلة المقبلة.

آخر التقارير صدر عن البنك الدولي الذي توقّع أن تبقى نسبة النموّ الإقتصادي في لبنان خجولةً على الرغم من ارتفاعها من 0.2% في العام 2018 إلى 0.9 في العام 2019، و1.3% في العام 2020، و 1.5% في العام 2021، إلّا أنّ هذه الأرقام قد تمّ تخفيضها مقارنةً بالتقديرات السابقة للبنك الدولي، والتي كانت تتوقّع نمواً بنسبة 1.0 % في العام 2018، و 1.3% في العام 2019، و 1.5 % في كلّ من العامَين 2020 و2021.

وفي السياق نفسه، خفّض مصرف "جي بي مورغان" (J P Morgan) توقّعاته للنموّ الإقتصادي في لبنان للعام 2019 من 1.3 % إلى 1.0 %، مقارنةً مع 1.1 % للعام 2018 نتيجة الموازنة التقشّفية التي إقترحتها الحكومة في مشروع قانون موازنة العام 2019.

من ناحية أخرى، علّق "جي بي مورغان" على مشروع قانون موازنة العام 2019، متوقعاً أن يبلغ العجز في الموازنة نسبة الـ 8.4% من الناتج المحلّي الإجمالي في العام 2019.

"القوات": غياب الثقة
الى ذلك، وفيما قالت مصادر وزارية لـ"الجمهورية"، انّ انعقاد مجلس الوزراء مرجّح هذا الاسبوع، والموعد سيُحسم مع عودة الحريري، اشارت الى انّ جدول اعمال مكثفاً في انتظار هذه الجلسة، إضافة الى امور ملحّة امام الحكومة في المرحلة المقبلة، ولاسيما ملف التعيينات.

الّا انّ اللافت للانتباه في هذا السياق، هو حديث "القوات اللبنانية" عن غياب الثقة. وبرز في هذا الاطار تأكيد مصادرها على انّ هذا الغياب مردّه الى نظام المحاصصة القائم، فما يحصل اليوم يمثِّل نسخة طبق الأصل عن الذهنية التي حكمت طويلاً على قاعدة المحسوبيات والزبائنية على حساب الكفاءة والمصلحة الوطنية العامة.

وقالت "القوات"، انّها ستتصدّى لأي محاولة لتمرير التعيينات بعيداً من آلية واضحة المعالم، وعلى قاعدة الاستزلام. ودعت إلى إبعاد التعيينات عن التجاذبات وتحييدها عن المحسوبيات، معتبرة انّ "شعارات الإصلاح تبقى فارغة من اي مضمون في حال لم يصر الى إرساء ذهنية المؤسسات والجدارة والكفاءة".