في هذيانٍ حميمٍ للإيقاع السردي، يشبه حياة «الكحول والمواد المخدّرة» التي أدمن على تناولها الكاتب محمد شكري، كما كتب بما سمّاه «سيرته الذاتية» ونسبها إليه في روايته «الشطّار»، التي تعدّ مكمّلةً للجزء الأول منها والذي عنونه تحت اسم «الخبز الحافي»، يتخبّط المونولوج التعبيري بالترفيهي بشكلٍ عشوائي، فيتهالك الحسُّ الفني في المبالغة واستجداء عطف القارئ، بشكلٍ اسطواني، غير متساوي الأطراف، ويغرق فيه الوعي في اللاوعي، حتى تتجاوز الرتابة حدّها المعقول.
 

جمل الرواية القصيرة، تميل للأسلوب الغربي في الحدّ والردّ، ولكنها تتماسك لتتهاوى في مطبّاتٍ تعبيريّة حادّة، وتعكس الحالات النفسيّة للكاتب، فتقصر ثم تطول وبالعكس، وتراوح بين الاقتضاب والإسهاب.

 

حوافز الفقر تدور قصة شكري حول ضياعه المتشرّد، النابع من حوافز الفقر، فالأب الظالم الذي نشأ معه في طنجة لم يمهله الوقت ليقوّم تفكيره، أو يحرث مراهقته بعين الرقيب، فهو غارقٌ في الشرود والألم والكره المرتاب لأبيه تلاحقه عقدة أوديب وتعلّقه الفائق بأمه، وثورته الجامحة ضدّ أبيه جرّاء ضربه لها وقسوته معها. يهرب الى إسبانيا من أجل التحصيل العلمي، مصطحباً علله النفسية وقذارته الجسدية كما يصفها بنفسه في الكتاب، حيث خصّص فصلاً لوصف القمل المتفشي في جسده، بسخريةٍ مريرة لاذعة.

العلاقات النسائية تحتلّ الصدر الأكبر من الرواية. فلكلّ غانيةٍ التقاها الكاتب مبرّر لغيّها، يعلّل لها انحداراتها وينمّي عقدة الأم في داخله من خلال متابعة أمور النساء من حوله مهما كانت جنسية المرأة التي يصادفها أو عقليتها أو ثقافتها.

هروب من الواقع يتكلم شكري عن مرحلة انتقاله إلى إسبانيا، وتدهوره المالي والأخلاقي هناك، حيث عاشر المومسات واستمرّ بل زاد في معاقرة الكحول والمخدرات، وتكلّم عن الأمر ببساطة وتلقائيّة، ولم يجرّم نفسه أبداً، وكأنّ مسألة الإدمان للمراهق أمرٌ طبيعي لا يستحق أن يلتفت أحدٌ إليه.

وتفاقم غيّه مبرّراً سببه في الهروب من واقعه، ولكنّه أفرد صفحات بأكملها في التكلم عن مشكلات أصدقائه، العرب منهم والإسبان، وبهذا انتفت خصائص السيرة الذاتية من عمله، بل تناول هموم غيره، من صديقه المثلي الجنس إلى صديقته الهاربة من كيد الرجال والأخرى المحترفة للجنس وغيرهم. ربّما يعطي القليل من العبر كموعظةٍ غيرية في بعض الفقرات من الرواية، ولكنّه يبدو كمن ينصح غيره ولا يريد أن يعظ ذاته المحطّمة في سديم الضياع والكآبة والتقتير العاطفي. 

 
 

مشقات حاشدة يروي الكاتب قصة احترافه الكتابة بأنّه التقى بشاعرٍ معروفٍ في المغرب، وهو محمد الصباغ، وكانت شهرته تطغى على أوصافه، فقرّر بعد محادثته وتشجيع الأخير له، بأن يمرّن نفسه أن يكون كاتباً، حتى يحظى بمثل الإهتمام الذي يحتفي به الناس بالصباغ.

ثم يعرّج على قصة دخوله لمستشفى الأمراض العصبية، ونوع البشر الذين صادفهم هناك، هي رحلةٌ تتسربلُ بالمشقّات الحاشدة، وتتعرقلُ بالكبت النفسي العنيف الذي شهده الكاتب أيام طفولته وشبابه. 

الإلتباس الزمني والمكاني واضحٌ في سياق الرواية، فهي لا تخضع لأيّ ارتباطٍ مباشر بالحبكة، وربّما غرّ الكاتبَ النجاحُ الساحق الذي  حصده في روايته الأولى «الخبز الحافي»، فتجرّأ على الكتابة العشوائية، والأقرب إلى الهلوسة، لتلبية نقصٍ ذاتي للإهتمام من قبل النقاد والأقلام المبجّلة لأدبه الأقرب للاوعي، وللإثارة الذاتية وتسويق محنته لإثارة العطف. 

الكتابة امتياز

محمد شكري، كاتبٌ قرّر أن يصبحَ كاتباً ولم يولد كاتباً، باعترافه الذاتي في روايته «الشطار» حيث قال بعد لقائه بالشاعر محمد الصبّاغ: «إذا  كان الناس يحترمون مَن يكتب مثل هذه الأشياء فأنا أستطيع أن أكتب مثلها أو أفضل منها. الكتابة إذن امتياز». وهنا دلّل على مصطلح الكتابة بوصفه إيّاها بـ«هذه الأشياء»، وهو دليلٌ دامغ بأنّ تقديره للإبداع الكتابي مبتور بل معدم، وقد استخدمها لخدمة نفسه وإخماد الثورة الكامنة في صدره إزاء المجتمع والأب وذاته. 

ولو وضعت كتابته تحت المجهر النافذ والمقصلة النقدية عندما كان حيّاً، لكان من المؤكّد بأنّه سيعيد ترتيب حساباته في مرآةٍ حقيقيّةٍ للنفس لا مرآة الشهرة التي صنعها لنفسه عنوة.