في «جمهورية الامتيازات» يوجد مواطن «عادي» تُطبَّق عليه القوانين والأنظمة، ومواطن «إكسترا» يحظى بالحصانة المطلقة... ومن لديه أدنى شكّ في هذا التصنيف، يكفيه التوجّه إلى السجل العقاري وطلب «إفادة ملكية» (تُسمى أيضاً «إفادة نفي ملكية») لأحد الرؤساء أو الوزراء أو النواب أو كبار موظّفي الدولة أو لأحد رؤساء الطوائف أو للأوقاف الدينية، فلن تحصل على أي جواب سوى أن هذه «المقامات» محفوظة بالسرية والكتمان. في ما يأتي، قصّة معاملة تخصّ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وهي على سبيل المثال لا الحصر...

منذ شهر ونصف شهر تقريباً، خلال تنفيذ تحقيق صحافي استقصائي، والتزاماً بأدنى الواجبات المهنية التي تفترض التحقّق من المعلومات والتأكّد من صحتها، توجّهت «الأخبار» إلى دوائر السجل العقاري في بيروت لتقديم طلب حصول على «إفادة ملكية» لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، تتعلّق بالعقارات التي يمتلكها في قضاء كسروان.

كان يفترض بهذه المهمّة أن تمرّ بسلاسة، ومن دون أي تعقيدات، خصوصاً أنّ المعلومات المُتعلّقة بالسجل العقاري تندرج ضمن المعلومات العلنية التي يجيز قانون السجل العقاري لكل مواطن الحصول عليها لقاء تسديد رسوم الطابع المتوجبة عليها، وهو ما تؤكّده «مديرية الشؤون العقارية» على موقعها الإلكتروني. لكن تبيّن أنه خلافاً لكل القوانين المرعية والقواعد العامّة، ثمة سلطة أمر واقع تتولى حماية النافذين عبر ممارسات غير قانونية تفرض سرّية مطبقة على أي معلومة متعلّقة بهم، حتى ولو كانت علنية ومُتاحة للعموم. الحديث هنا ليس عن معلومات محميّة بموجب قانون خاص، كقانون السرية المصرفية مثلاً، بل عن معلومات يوجب القانون أن تكون علنية، وهي كذلك فعلاً عندما تكون متصلة بالمواطنين «العاديين»!

كيف بدأت قصة هذه المعاملة، وكيف انتهت؟ في 18/4/2019 تقدّمنا بطلب من دوائر السجل العقاري في بيروت للحصول على «إفادة ملكية» المطلوبة. إلّا أن المفاجأة كانت برفض الموظّفة المُكلَّفة تسجيل الطلبات قبول الطلب من مجرّد قراءتها الاسم. وسألت: «مين رياض توفيق سلامة؟ أهو نفسه حاكم مصرف لبنان؟». فكان الردّ «بأن الاسم مدوّن في الطلب وهو واضح، إلّا إذا كان الخطّ غير مفهوم ويجدر بي كتابته من جديد». عندها أجرت مدام رندة (كما ردّد البعض اسمها) اتصالين، ومن ثمّ طلبت منا التوجّه إلى الطبقة العاشرة وتسجيل الطلب في قلم المديرية العامّة للشؤون العقارية.

 

 

في الطبقة العاشرة تكرّر سيناريو مشابه. ففي القلم، كان الارتباك واضحاً على الموظّفين. بادر أحدهم إلى سؤالنا عن السبب الذي يدفعنا إلى طلب «إفادة ملكية» لحاكم مصرف لبنان، فزعمنا «أن لدينا معاملة تقتضي إظهار ملكية الشخص المعني»، وهذا طلب يجيزه القانون لحفظ الحقوق الخاصّة لأي مواطن أو مقيم في لبنان. فردّ الموظّف: «لا يمكنني إعطاؤك الإفادة». فسألت عن السبب «خصوصاً أن الإمكانية مُتاحة قانوناً ولا يوجد أي عائق يحول دون ذلك». فكان ردّ الموظّف: «معك حقّ والقانون معك. بس الموضوع مش عندي. لو مواطن عادي تكرم عينك كنت عطيتك الإفادة، بس في قرار من وزير المالية بيمنعنا نعطي نفي ملكية لأي رئيس أو وزير أو نائب أو موظّف كبير في الدولة سابق أو حالي أو عن الأوقاف والطوايف حتى، وما فينا نخالفه». فسألت «إن كان في جمهورية وزير المالية دستور خاص، غير دستور الدولة اللبنانية، يميّز بين مواطن عادي ومواطن إكسترا، وإن كان هذا الدستور الخاص يمنع من يراه مواطناً عادياً من تحصيل حقوقه من المواطن المُصنّف إكسترا». عندها طلب مني الذهاب عند «الأستاذ طه» في الغرفة المجاورة.

هناك أيضاً تكرّر الأمر نفسه، وفي محاولة لحسم الجدل، سألت الأستاذ طه: «من يبتّ بهذه المسألة؟». فقال: «المدير العام». توجّهت إلى مكتب المدير العام، إلّا أنه لم يكن موجوداً. فعدتُ إلى الأستاذ طه، وبعد أخذ وردّ، سمح الأخير لموظّفي القلم بتسجيل الطلب، الذي طلبوا مني تقديمه من دون طوابع كي «لا أتكلّف ع الفاضي، لأنك لن تحصلي عليها»، إلّا أنني أصررت على تقديمه وفق الأصول ولصق الطوابع المطلوبة. فسُجِّل وأُعطيت وصلاً برقم المعاملة (2728/2019)، إلّا أن تاريخ التسلّم حُدّد بتاريخ تقديم الطلب، فاستفسرت عن السبب، فكانت الإجابة: «لأنه طلب خاص يقرّر به المدير العام. ومن الأرجح أنك لن تحصلي عليها. ولكن اتصلي الأسبوع المقبل بالقلم لتحصلي على جواب».

بعد خمسة أيام، وهي المُهلة التي تعطى عادة لتسلُّم الإفادة، توجّهنا مجدّداً إلى قلم المديرية العامّة للشؤون العقارية في بيروت للحصول على الإفادة، فأطلعنا الموظّف على السجل الذي يفيد بأن المعاملة حوّلت إلى وزير المالية ليبتّ بالموضوع. فسألنا عن التاريخ المُفترض أن نعود به لتسلُّم الإفادة، فردّ: «بتراجعي بوزارة المالية. نحن ما بقى إلنا شغل فيا».

هكذا أنهى موظّفو القلم «المعاملة». إلّا أن قصّتها لم تنتهِ فعلياً. حاولت «الأخبار» الاتصال بوزير المالية علي حسن خليل مراراً، وبعثت إليه برسالة هاتفية لاستيضاح خلفية هذا القرار والسؤال عن مصير الطلب، إلّا أنه لم يجب. لكن في اتصال مع المدير العام للشؤون العقارية جورج معراوي، أشار إلى أنه «جرت العادة منذ عام 1993 بتحويل الطلبات المُشابهة المتعلقة بممتلكات السياسيين وكبار الموظّفين إلى وزير المالية لإعطاء الموافقة عليها مُسبقاً. وهو ليس قراراً صادراً عن الوزير الحالي، كما أفاد موظّفو السجل العقاري. لذلك، لا توجد أي مشكلة في الطلب، وكذلك لم يحدث مرّة أن رفض أي وزير مالية إعطاء إفادة ملكية، وبالتالي ستُسلَّم خلال الأسبوع المقبل. ففي الأيام الماضية، كان الوزير مُنهمكاً ربّما بالمسائل السياسية الطارئة». وشدّد معراوي على أنه «لا يوجد مواطن درجة أولى أو مواطن درجة ثانية. ومن واجبنا أن نعطي أي إفادة، ولا يمكننا أن نفعل غير ذلك. لا يوجد أي تهرّب من الموضوع أو أي سبب قد يوقف المعاملة».

 

 

هذا الكلام صدر عن معرّاوي قبل أكثر من شهر. وقبل يومين، عدنا إلى المديرية العامّة للشؤون العقارية للحصول على الإفادة، باعتبار أن ما قاله المدير العام كلام حاسمٌ ولا رجوع عنه. لكن تبيّن أن الطلب لا يزال عالقاً عند وزير المالية الذي لم يرسل «موافقته» بعد للحصول على الإفادة التي يجيزها القانون، علماً بأن المدير العام للشؤون العقارية، وللأمانة، أرسل موظّفاً إلى الوزارة لمتابعة الطلب، واتصل أكثر من مرّة للاستسفار عنه، لكن من دون نتيجة.

لو كان مقدّم الطلب مواطناً/ة «عادياً/ة»، وفق تصنيف الوزير المُخالف للدستور، لا صحافية تابعت الاستقصاء لكتابة التقرير الحالي، فهل كان/ت سيلقى (ستقلى) ردّاً عند المراجعة بطلبه/ها؟ في الواقع، الأمر سيّان. فهناك في وزارة المالية، وفي وزارات أخرى غيرها، وزراء يرون أنفسهم، بحماية من مرجعيّاتهم السياسية، فوق القانون، فيستنسبون في تطبيق الدستور والقوانين، ويوزّعون الحمايات غير القانونية وفق المصالح، ومن ثمّ يحرصون على إجراء المؤتمرات والمقابلات لصفّ الكلام حول قدسية الدستور والحرص على تنفيذ القوانين، وما إلى ذلك من عبارات غشّاشة... ويبقى السؤال الأهم بلا إجابة: هل ثمة في سجل حاكم مصرف لبنان العقاري ما يحرص وزير المال على إخفائه؟ ولماذا هذا الحرص؟ هذا السؤال مشروع ما دامت الموافقة على «إفادة (نفي) الملكية» لم تصدر بعد.

 

 

مخالفة صريحة للقانون

باتصال مع مرجع قضائي للاستفسار عمّا إذا كان هناك من عائق ما قد يحول دون حصول أيٍّ كان على إفادة بالممتلكات العقارية لأي مسؤول أو موظف أو شخصية من شخصيات السلطة العامة، (حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، في الحالة الراهنة، مثلاً)، كالتذرع بأمن تلك الشخصيات أو انتفاء صفة مقدّم الطلب، ردّ بجواب حاسم يقول إن «قرار وزير المالية غير قانوني ومخالف لمبدأ العلنية الذي نشأ على أساسه السجل العقاري في عام 1926، بموجب قرار المفوّض السامي رقم 188، إذ نصّ على أنه يحقّ لكلّ شخص أن يأخذ المعلومات المُدرجة في السجل العقاري لقاء تأدية الخُرج النظامي عن الكشف والنسخ، وأنه سجل مفتوح أمام العموم للاطلاع عليه، فضلاً عن أنه منح مقدّم الطلب إمكانية الاعتراض أمام المحكمة البدائية عند امتناع أمين السجل من إعطائه المعلومات. فالهدف الأساسي من السجل العقاري والتشديد على مبدأ علنيّته، تنظيم الملكيّات وحماية الملك الخاص والحدّ من الخلافات والنزاعات العقارية عبر تحديد الملكية والمساحة والحقوق عليها». وعن السبب الذي قد يكون أدّى إلى إصدار قرار مماثل، يقول المرجع نفسه إنه «يمكن الاستنتاج أن هذا القرار يهدف إلى منح حماية غير قانونية إلى مرشّحين محتملين بارتكاب ممارسات فاسدة في الدولة اللبنانية. وهو يلزم الموظّفين في الإدارة بتنفيذه تحت طائلة معاقبتهم في حال احترامهم القوانين المرعية والقواعد العامّة، وخالفوا القرار المذكور. وكذلك يحرم المواطن إمكانية حماية حقوقه عبر حجز عقار أحد هؤلاء المحميين إن كانت هناك فعلاً علاقة تجارية أو نزاع مالي بينهما».