بغض النظر عن نظريات المؤامرة التي لطالما التصقت بجماعة بيلدربيرغ حول تقريرها لمصير هذا العالم وتحولاته، فإن وزير الخارجية الأميركي بدا أنه يحتاج للحديث عن لغة الحوار والسلم.
 
لا أحد يريد حربا ضد إيران. لا واشنطن ولا عواصم المنطقة ولا عواصم العالم ولا طهران طبعا. ما يصدر رسميا حتى الآن عن رأس السلطة في الولايات المتحدة لا يشي بأن واشنطن تدفع، خصوصا الرأي العام الداخلي، باتجاه تنظيم حملة عسكرية على شاكلة تلك التي ضد يوغسلافيا السابقة وضد أفغانستان وضد العراق.
 
لا أحد في إيران يريد حربا، أو على الأقل حربا مباشرة ضد إيران في حدودها الجغرافية. بإمكان جنرالات الحرس الثوري أن يهددوا ويتوعدوا ويهوّلوا، بإمكان أحدهم أن يعدنا بهزيمة الولايات المتحدة واندثارها ويبشرنا آخر بزوال دولة إسرائيل، إلا أن تلك الجلبة لا تخفي ارتباكا داخل منظومة القيادة الإيرانية، بوليها ورئيسها ووزير خارجيتها، تستبعد الحرب، وتسعى لإقناع الإيرانيين وطمأنتهم أن لا كارثة قادمة على إيران.
 
في بيروت أيضا يعلن الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله أن لا حرب قادمة وأن العدو يعجز عن شنّ تلك الحرب. غير أنه يستطرد صارخا في ما بعد، على نحو يتناقض مع نبوءته الأولى، أن أي حرب ضد إيران ستشعل المنطقة برمتها. وأيا كانت وجهة التهديد والوعيد فإننا وحتى انجلاء ضباب هذه المرحلة سنشهد حربا نفسيا وتصريحات نارية تخفف من الضجر المحيط بواقع المراوحة التي قد تتسم بها الأزمة بين واشنطن وطهران.
 
 طريق المفاوضات
القمم الثلاث في مكة المكرمة -الخليجية والعربية والإسلامية- أظهرت إجماعا داعما للموقف السعودي وتأييدا للموقف الأميركي حيال إيران. تبدو إيران فاقدة لبيئة دولية وإقليمية حاضنة، وتبدو ممعنة في الغرق في عزلة تسحب أي غطاء يمكن لطهران التعويل عليه في جهودها للخروج من مأزقها الحالي.
 
بدا واضحا أن الصين وروسيا لا يمكن أن تتخذا موقفا داعما لطهران ضد مزاج دولي بات عاجزا عن التعايش مع الواقع الإيراني وفق النسخة المعمول بها منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، وبدا أن الاتحاد الأوروبي على شفير التضامن مع الموقف الأميركي إذا ما انسحبت طهران في اتفاق فيينا النووي الموقع عام 2015.
 
لا شيء يشي بنشوب الحرب. حتى ذلك القصف الصاروخي الذي يطال أهدافا إسرائيلية والرد من إسرائيل مستهدفا مواقع داخل الأراضي السورية، لا يؤشر إلى فوضى عسكرية، بل تبادل رسائل حذرة شديدة الانضباط تُبقي التوتر في حدوده المنخفضة. حتى أن تأملا حثيثا للصراع في وجهه العسكري يقود إلى استبعاد اندلاع الحرب عن طريق الصدفة أو الخطأ، ذلك أن أطراف الصراع حريصون على عدم التهور، ممسكون تماما بتفاصيل المشهد العسكري في المنطقة على النحو الذي لا يؤدي إلى الصدام الكبير المباشر.

والحال أن اللغة الطاغية هي لغة المفاوضات. بدا أن هذه الكلمة تزدهر هذه الأيام بغض النظر عما إذا كانت مجوفة فارغة من مضمون حقيقي، أو أنها تعبر عن ورشة تحضير خلفية لطاولة مفاوضات قادمة لا محالة.

كان الرئيس دونالد ترامب قد انقلب قبل أيام على صقوريته وراح يمطر إيران برسائل الحنان في الدعوة إلى الحوار والتفاوض وفي استشراف تعاون مع إيران مزدهرة. راح الصقر الآخر وزير الخارجية مايك بومبيو يتحدث عن استعداد لمفاوضات مع إيران دون شروط مسبقة، ما عُد انقلابا من قبل صاحب الشرور الـ12 الشهيرة.

تحدث الرئيس الإيراني حسن روحاني أيضا عن الاستعداد للتفاوض على نحو أطاح بكل المواقف السابقة الصادرة عن طهران، والتي أكدت أن لا تفاوض على الاتفاق النووي. يبقى أن لا شروط بومبيو تشترط أن تصبح إيران “دولة عادية”، فيما مفاوضات روحاني مشروطة بأن تتعامل واشنطن مع طهران بـ”احترام”. ومع ذلك فإن طريق المفاوضات مازال عسيرا، وطريق الحرب مازال واردا.

حالة اللاحرب واللاسلم
لا تملك إيران الرشاقة الكافية للتعامل مع أكبر أزمة تتعرض لها منذ أربعة عقود. تخاطب طهران خصومها بلغة خشبية لا تأخذ بعين الاعتبار أن العالم قد تغيّر وأن إيران التي عُرفت منذ قيام الجمهورية الإسلامية لم تعد داخل خارطة التحولات المقبلة، وأن التغير في السلوك الإيراني بات جزءا من هذه التحولات. وإذا ما كان النصر “صبر ساعة”، فإن الوقت لا يعمل أبدا هذه المرة لصالح إيران. فالعقوبات القاسية والتاريخية، حسب تعبير ترامب، التي تتعرّض لها إيران من قبل الولايات المتحدة تفتك بالنسيج الاقتصادي الإيراني وتهدد بانهياره، فيما تدرك طهران أن التجربة تهدد بقاء النظام الإيراني على الرغم من التطمينات الأميركية المتكررة من أن لا خطط لإسقاط نظام طهران.

وربما من الحكمة عدم الإنصات كثيرا للتصريحات الانقلابية التي تصدر من هنا وهناك تتحدث عن الحرب حينا وعن السلم والحوار أحيانا. فحالة اللاحرب واللاسلم تحتاج لمحركات ترفد الأزمة بضجيج، فيما قنوات التواصل الخلفية تحتاج لواجهات تعبر عن مزاج أصحاب الشأن.

وتبدو تلك التصريحات عاكسة لهمس خلفي يناقش قواعد التفاوض وشروط نهاياتها، وأن عدّة ذلك تستلزم إظهار القدرة على الوثوب نحو مراحل تقلب الأمور رأسا على عقب. ذلك تماما ما توحي به تصريحات روحاني عن التفاوض باحترام وتصريحات ترامب وبومبيو عن التفاوض مع دولة حين تصبح “عادية”.

والحال أن وزارة الخارجية الإيرانية أصابت حين رأت في كلام بومبيو عن “تفاوض دون شروط مسبقة” لعبا على الكلام. فالعقوبات الاقتصادية الأميركية وتحريك واشنطن لسفنها البحرية وقاذفاتها الجوية هي إستراتيجية تعمل على صيانة شروط وقواعد لجر إيران إلى طاولة ترامب. وما عدّه البعض تراجعا أميركيا وليونة طارئة، لا يعدو كونه واجهة من واجهات عديدة تقارب بها واشنطن الأزمة مع طهران.

وجب عدم إهمال أن الولايات المتحدة تتحدث مع العالم وتقوم بحملة دبلوماسية نشطة لصون موقفها من إيران، وأن أمر ذلك يحتاج إلى أن تُظهر منابرها الكبرى لغة تتسق مع مزاج العواصم المعنية.

قد يجدر التذكير بأن لكل عاصمة لغتها وأن للمكان ظرفا يفرض منطقا للكلام. بومبيو يجول في أوروبا، يتحدث لغة يفهمها الأوروبيون وليست بالضرورة موجهة لإيران. والرجل حين تحدث عن التفاوض دون شروط مسبقة مع إيران كان يتكلم من سويسرا. وبومبيو حين تكلم كان في هذا البلد لحضور أعمال مؤتمر بيلدربيرغ الشهير الذي يضم قيادات اقتصادية وسياسية دولية والذي يلتئم بشكل سري لا تتسرب المداولات داخله.

وبغض النظر عن نظريات المؤامرة التي لطالما التصقت بجماعة بيلدربيرغ حول تقريرها لمصير هذا العالم وتحولاته، فإن بومبيو بدا أنه يحتاج للحديث عن لغة الحوار والسلم قبل أن ينضم إلى ذلك المحفل السري الشهير.