للأسف نقول بأن كل هذه التجاذبات إنما تدلل عن حالة الركود الفكري والثقافي التي تعيشه الطائفة الشيعية منذ القبض على ناصية القرار فيها من قبل الثنائي حركة أمل وحزب الله.
 

ما إن انتشر الفيديو المسرب عن المقرئ نصرات قشاش يتهجم فيه على السيد محمد حسين فضل الله حتى ثارت زوبعة من التكفير والتكفير المضاد، والتهجم والتهجم المضاد، فالمدافعون عن المرجع فضل الله لا يجدون الا لغة الاساءة والتعريض والنيل من قشاقش حتى ذهب بعضهم لنبش تاريخ الرجل وطفولته وانه درس في مبرات فضل الله، وتبقى التهمة الأكبر هي انتماءه الفكري للمدرسة الشيرازية، هذه التهمة التي توازي في الوسط الشيعي للخيانة أو على أقل تقدير للتخلف والجهل من دون معرفة مطلقيها أي معلومة عن الشيرازي الإبن ولا الأب والجد، فيكفي أن تقول عن أحدهم أنه شيرازي تمامًا كأنك تتهمه بالتهمة الشائعة هذه الأيام "بشيعة السفارة".

بالمقابل فإن المدافعين عن قشاقش (ومعظمهم من جمهور حركة أمل)، لا يجدون بدا من العودة إلى تاريخ السيد فضل الله ايام الفتنة الدموية بين الأخوة بإعتبار ان السيد يومها كان يشكل ما يشبه الغطاء الشرعي لمقاتلي حزب الله، بالتالي فيحمل السيد فضل الله تبعات تلك المرحلة الدامية (والملفت انه يحمل مسؤولية الدم في لحظة التحالف مع حزب الله نفسه)، هذا مع الإشارة أن فتوى الحزب كانت ولا زالت تصدر من طهران حصرًا.

المهم في هذا السياق، ان ارتدادات هذا الحدث لا تزال تتفاعل وتكبر وكل يوم بتنا نسمع اصوات من هنا ومن هناك تدلو بدلوها في هذه المعمعة من محامين أو معممين وحتى مثقفين وصحفيين فضلًا عن صفحات مواقع التواصل الإجتماعي التي تحولت إلى منصات تقصف من خلالها هذه الجهة أو تلك.

إقرأ أيضًا: بعد 35 سنة على إسقاطه، هل عدنا إلى 17 آيار جديد؟؟

للأسف نقول بأن كل هذه التجاذبات أنما تدلل عن حالة الركود الفكري والثقافي التي تعيشه الطائفة الشيعية منذ القبض على ناصية القرار فيها من قبل الثنائي حركة أمل وحزب الله، وتعميم لغة التكفير والتهجم والتهكم والاتهام بدل لغة الحوار الموضوعي والنقد العلمي، وغياب اي تنوع او تعدد داخل الطائفة، وبالتالي غياب مساحة الجدال الفكري المبني على الحجة مقابل الحجة والرأي مقابل الرأي. 

وعليه فقد كشفت هذه الحادثة عن مستوى الضحالة التي وصلت اليه الساحة الشيعية، فمن قال ان انتقاد مرجعية ولو كانت بحجم السيد محمد حسين فضل الله هو جريمة ومس بالمقدس؟؟ بالخصوص اذا ما اخذنا بعين الاعتبار أن السيد رحمه الله كان يتعاطى الشأن العام، وهو مؤتمن على مؤسسات ضخمة واموال شرعية هائلة (صارت بمجملها تحت وصاية أولاد السيد).

 وبالمقابل من قال إن الشيرازية وفكرها الاخباري وما تتضمن من شحن مذهبي وروايات موضوعة هي بديل صحي عن الفكر الحوزوي الأصولي.

إقرأ أيضًا: نصرالله : أيها الفقراء سنُتخمكم بأشفار خطاباتنا

وبعيدًا عن هذا وذاك، من قال ان الشيعة محكومون لانتاج الحوزة المتخلف بمدارسها المختلفة؟؟، من أصولية بشقيها (ولاية الفقيه – المرجعية) أو الروائية بتعدد مشاربها والتي تعد الشيرازية واحدة منها؟؟ 

ان ما أحدثته تسريبات السيد قشاقش انما هو برهان ساطع بأن الحوزة الدينية الشيعية هي أعجز من أن تدير حوارًا راقيًا، وان ما شهدناه في الأيام القليلة الماضية من داعشية شيعية لهو خير دليل أن ما تعاني منه الطائفة الشيعية من تخلف على كل المستويات إنما تتحمل مسؤوليته بالدرجة الأولى هي هذه الحوزة التي لم تنجب لنا الا هذه العينات والتجارب الوراثية الضيقة، وهذا يجب أن يأخذنا للنقاش الجاد والهادف عن الاسلوب الانجع للحد من تأثير الحوزة الدينية بكل نتاجها على حياتنا اليومية، ولعل الأسلوب الأجدى هو باقفالها اينما وجدت من قم مرورًا بالنجف وإلى كل مكان في العالم.   فاذا كان هذا التسريب هو الكاشف الحقيقي والفعلي على حجم الاهتراء الذي نحن فيه والسبب في وضع الاصبح على مكمن الداء، فلا بد من القول حينئذ: شكرًا نصرات قشاقش.