الرئيس التركي يبدو محاصرا، وسواء اختار التخفيف من الضغوط الأميركية أو الحصول على نظام أس- 400 ، فستكون هناك عواقب في الحالتين.
 
ذكر تقرير على محطة سي.أن.بي.سي التلفزيونية أن أمام تركيا حوالي أسبوعين لتقرر ما إذا كانت ستكمل صفقة أسلحة متطورة مع الولايات المتحدة أو تخاطر بعقوبات شديدة من خلال إتمام اتفاق لشراء نظام صاروخي من روسيا.
 
وأضاف التقرير أنه “بحلول نهاية الأسبوع الأول من شهر يونيو، يتعين على تركيا إلغاء صفقة بمليارات الدولارات مع روسيا وأن تشتري بدلا من ذلك نظام الدفاع الصاروخي باتريوت الأميركي الصنع الذي تنتجه شركة رايثيون أو أن تواجه الحذف من برنامج شركة لوكهيد مارتن لطائرات أف- 35، وخسارة 100 طائرة من طراز أف- 35 التي وُعدت بها، وفرض عقوبات أميركية وردود فعل محتملة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)”.
 
ولئن نفت تركيا التقارير التي تتحدث عن المهلة إلا أن ياوز بيدر، الكاتب في موقع أحوال تركية، يؤكد أن التحركات الأميركية، التي تمثل تهديدا كاملا لتركيا، أعقبها إجراء ملموس آخر للضغط على تركيا. ففي وقت سابق من شهر مايو، كشفت لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأميركي عن ميزانية دفاعية تهدف إلى حظر بيع طائرات أف-35 إلى تركيا. ويحظر قانون التفويض الوطني للدفاع لعام 2020 المقترح، تمويل نقل طائرات أف- 35 أو المعدات ذات الصلة والملكية الفكرية إلى أنقرة “ما لم يتمكن وزير الدفاع ووزير الخارجية من تأكيد أن تركيا لم تقبل المنظومة الروسية وتؤكد أنها لن تشتري المنظومة في المستقبل”.

وتمثل هذه الخطوات تصعيدا شديدا في المواجهة بين تركيا والولايات المتحدة، حيث أن جميع النزاعات السابقة بين واشنطن وأنقرة، بما في ذلك تلك التي حدثت في 1964 أو 1974 بشأن قبرص، بسيطة بالمقارنة بالتصعيد المرتقب إذا ما غامرت أنقرة وأتمت صفقة البطاريات الروسية، ما يضع عضوية تركيا التي استمرت لعقود في حلف شمال الأطلسي على المحك.

أردوغان عالق يشبّه ياوز بيدر الموقف العنيد لإدارة أردوغان بشأن هذه القضية بقطة لم تعد قادرة على فك كرة من الغزل لأن خيوطها انحلت أكثر من اللازم. كان الدافع الأولي للرئيس التركي لتسليط الضوء على شراء منظومة أس- 400 يهدف في ما يبدو إلى كسب النفوذ ووضع مساومة قوية.

ومع ذلك، كما هو الحال مع التحركات الأخيرة الأخرى، يبدو أنها كانت لها نتائج عكسية، مما تسبب في أضرار جسيمة للترسانة الدبلوماسية لوزارة الخارجية.

وقد يضع التراجع التركي عن اقتناء الصواريخ الروسية على المحك اتفاقا جرى التوصل إليه بين موسكو وأنقرة لمنع هجوم للنظام السوري في محافظة إدلب الحدودية مع تركيا والتي تسيطر عليها جماعات جهادية.

وقد تلجأ روسيا، وفقا لخبراء، إلى السلاح الاقتصادي عبر كبح ذهاب الملايين من السياح الروس إلى تركيا التي تعاني من تباطؤ اقتصادي هو الأول في عشر سنوات. وشجع موقف أردوغان المؤيد لروسيا ما يسمى بالجناح الأوراسي في هياكل الدولة، مما دفعه، سواء عن قصد أم لا، إلى الوقوع في فخ.

ولا يختلف الوضع على مستوى السياسة الخارجية، حيث يبدو أردوغان محاصرا أيضا، وسواء اختار التخفيف من الضغوط الأميركية أو الحصول على نظام أس- 400، فستكون هناك عواقب. ويرى آرون شتاين، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية في واشنطن أنه إذا اختارت أنقرة تعميق شراكتها مع روسيا، فقد يتحول السيء إلى محزن، حيث يمكن بعد ذلك التشكيك في التعاون الدفاعي القديم مع الولايات المتحدة.

والأهم من ذلك أن الوفاق التركي الروسي يقوض موقف أنقرة داخل حلف الناتو، ومن ثم فكرة الدفاع الجماعي وتقاسم الأعباء بين الدول الأعضاء التسع والعشرين. وإذا اختار أردوغان تجاهل تهديدات الولايات المتحدة واستخدم معارضته للأميركيين كأداة شعوبية لركوب موجة القومية قبل الانتخابات المحلية التي تجرى في إسطنبول في شهر يونيو، فسيكون من الواضح أن دور تركيا الجيواستراتيجي قد تم إعادة تعريفه بشكل جذري. ومع نفاد صبر الولايات المتحدة، قد يحدث هذا بسرعة كبيرة.

ويخشى الأميركيون من أن تُستخدم تكنولوجيا بطاريات أس- 400 لجمع بيانات حول طائرات الناتو العسكرية، وأن تصل هذه المعلومات إلى روسيا، كما يشير هؤلاء إلى مشاكل حول التوافق التشغيلي للأنظمة الروسية مع أنظمة الناتو.

ويمكن، وفقا لخبراء، أن تلاحق تركيا من خلال قانون كاتسا (قانون مكافحة أعداء أميركا عبر العقوبات)، الذي يفرض عقوبات اقتصادية على كل كيان أو بلد يوقع عقود تسليح مع شركات روسية.

وذكرت واشنطن في وقت سابق أن العقوبات الأميركية على روسيا بموجب قانون “كاتسا” الذي تم وضعه في الأساس لمعاقبة موسكو على ضمها القرم، ستطول كل البلدان التي تقتني الصناعات الحربية الروسية، مما يشير إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ستجازف بعلاقاتها مع دول أخرى في حملتها ضد موسكو.

ودعا مسؤولون أميركيون وجنرالات مرارا إلى وضع حد للمحادثات حول تسليم مقاتلات أف - 35 الأميركية إلى تركيا في حال حازت الأخيرة على منظومة أس- 400.

وتعتزم تركيا شراء مئة مقاتلة من هذا الطراز، فيما بدأ طيارون أتراك بالتدرب مع نظرائهم في الولايات المتحدة. واستثمرت أنقرة نحو مليار دولار في هذا البرنامج، وبالتالي فإن أي قرار أميركي يمنع وصول المقاتلات سيمثّل خرقا للعقد، فيما تؤكد مصادر أن واشنطن سوف تكون مستعدة لتعويض أنقرة ماديا.

وكانت تركيا قررت عام 2017، شراء المنظومة الصاروخية من روسيا، بعد تعثر جهودها المطولة في شراء أنظمة الدفاع الجوية من الولايات المتحدة.

مقترح تركي لتجنب العقوبات فشل الرئيس التركي في استبعاد فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية الأميركية على بلاده بعد أن رفضت الولايات المتحدة مقترحاته بشأن اقتناء بلاده لمنظومة الصواريخ الأميركية باتريوت تزامنا مع شراء منظومة أس-400 الروسية، فيما يشير محللون أن الاقتصاد التركي المتأزم غير قادر على امتصاص تداعيات عقوبات أميركية إضافية.

وقد تتعرض العلاقات المتوترة سلفا بين أنقرة وواشنطن إلى ضربة جديدة في ظل احتمال فرض الأخيرة عقوبات إذا مضت تركيا قدما بصفقة البطاريات الروسية التي يتوقع وصول أول شحنة منها خلال الصيف.

وتبدي الدبلوماسية الأميركية السابقة والباحثة في معهد بروكنغز أماندا سلوت اعتقادها بأن “الإدارة الأميركية والكونغرس لا يطلقان تهديدات فارغة، ثمة قلق فعلي في واشنطن وفي أوروبا إزاء شراء حليف في الأطلسي معدات دفاعية روسية”.

والأكثر إثارة للقلق في ما يتعلق بقضية أف-35 والسلوك الأميركي تجاه تركيا هو التعليقات التي أدلى بها في الآونة الأخيرة مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية والأوروآسيوية ويس ميتشل.

وقال ميتشل إن تركيا على دراية بعواقب المضي قدما في شراء صواريخ أس- 400. وبحكم موقعه، فإن صوت ميتشل مسموع في المناقشات ووضع السياسات التي تتعلق بكل من روسيا وتركيا.

وإذا مرر الكونغرس تشريعا يحظر تسليم الطائرات أف- 35 أو نقلها لتركيا من دون منح الرئيس سلطة رفع الحظر، فقد تجد تركيا نفسها تتعامل مع وزارة خارجية غير متحمسة لدعم مثل هذا الإعفاء من الحظر بناء على شراء أنقرة نظام أس- 400.

وإذا اقتنع كبار مستشاري السياسة الخارجية في الجناح التنفيذي بالولايات المتحدة بأن تركيا وليس الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان وحزبه فحسب، أدارت ظهرها للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، فقد يُعتبر حينئذ تعطيل برنامج أف- 35 ثمنا يستحق دفعه لإنقاذ الحلف من تقويض بلد عضو له بعلاقاته بدولة مثل روسيا التي تخالف بشكل أساسي قيم ومعايير السلوك لدى الحلف.