تمضي الوساطة الأميركية لترسيم الحدود البحرية في مسعاها الأخير قبل حصول تغيير في الإدارة، ويواصل مساعد وزير الخارجية ديفيد ساترفيلد مهمّته التي يأمل في أن ينجزها قبل انتهاء عمله كمساعد لوزير الخارجية الأميركي وحلول ديفيد شنكر مكانه.
 

يستفيد لبنان من مهمّة ساترفيلد الذي يُعتبر أحد أهمّ السفراء الخبراء في شؤونه والمنطقة، كذلك يستفيد من سعي تكنوقراط الإدارة الأميركية لإنجاز ملف ترسيم الحدود، في وقت لا يحظى هذا الملف بالأولوية في سلّم الاهتمامات الأميركية، التي تبدأ من إيران ولا تنتهي بـ»صفقة القرن»، وكلّها ملفات تتخطّى ترسيم الحدود البحرية، كما أنّها ليست حصراً من مهمّات وزارة الخارجية.

وتوجز أوساط ديبلوماسية الموقف الأميركي من الترسيم ومن التعاطي مع ملف لبنان بالآتي:

ـ أولاً، إنّ ما هو معروض على لبنان في مبادرة الترسيم، ينطلق في الأساس من اعترافه بالخط الأزرق، حيث وافق على ترسيم الخرائط وتحديدها على رغم بقاء بعض النقاط العالقة. وهذا الترسيم للخط الأزرق البرّي، يستتبع حسب القوانين الدولية ترسيم الخط البحري، بحيث يتمّ البدء بعدها بالتنقيب عن النفط، مع ترتيب وضع خاص للمنطقة المتنازع عليها بين لبنان واسرائيل.

ـ ثانياً، إنّ مبادرة ساترفيلد هي فرصة للبنان، فعلى الرغم من أنّها تحصل على هامش أحداث كبيرة في الخليج، وعلى هامش الاستعداد الأميركي لإعلان «صفقة القرن»، وهي لا تحتل الأولوية أميركياً، إلّا أنّها يمكن أن تؤدّي الى ترسيم نهائي للحدود البحرية، ما يؤدّي الى إدخال لبنان في عملية التعاون اللوجستي لإنتاج النفط وتصديره، ومن دونها سيكون لبنان عملياً خارج هذا التعاون، أي لن يتمكّن من إنتاج الغاز وتصديره بالسهولة المطلوبة.

ـ ثالثاً، إنّ عودة لبنان الى القبول بالمبادرة الأميركية لترسيم الحدود، يعني خرق «الفيتو» الذي وضعه «حزب الله» على هذا الترسيم، فهذه المفاوضات هي عملياً تفاوضٌ غير مباشر بين لبنان وإسرائيل، كما أنّها تُشكّل إذا نجحت مقدّمة لفتح باب الاستثمار الآمن في المناطق التي سيتمّ ترسيمها، فالملفّ بيد رئيس مجلس النواب نبيه برّي، الذي يتحرّك بالتنسيق مع «حزب الله».

ـ رابعاً، إنّ التركيز الأميركي على محاصرة إيران وأذرعها في المنطقة يُترجَم في الملفّ اللبناني بتطبيق عقوبات على «حزب الله» لتجفيف مصادره المالية، سواء التي تصله من إيران أو تلك التي يُتّهم بجنيها من مصادر غير مشروعة. ففي الموضوع الإيراني سيستمرّ ردع إيران حتى الوصول الى نتيجتَين تحقّقان هدفاً واحداً: إمّا توجيه ضربة عسكرية إذا ما فتحت إيران الحرب، أو الجلوس على طاولة مفاوضات بشروط وضعتها واشنطن. وفي الطريق الى تحقيق هذا الهدف لن تردّ الولايات المتحدة على أيّ تحرّش إيراني محدود كالذي استهدف السفن الإماراتية، بل ستذهب فور استكمال التحقيق وتحديد المسؤولية الى مجلس الأمن الدولي، لحشد أكبر تأييد دولي في مواجهة إيران. أما الحزب، فإنّ مسؤولية الدولة اللبنانية أن تنأى بنفسها عنه، لكي لا يوضع لبنان في مركب واحد مع الحزب.

يترقّب الجميع عودة ساترفيلد، وبدء مفاوضات الترسيم، بما بات يُشبه الفرصة الأخيرة للانتهاء من ملف الحدود البحرية، ففي حال نجحت المبادرة يكون لبنان قد نجح في إقفال ملفّ، سوف يؤهّله للعبور الى عصر استخراج الغاز، في مرحلة تعيش المنطقة أشدّ مستويات التوتّر. وفي كلّ الحالات فإنّ القرار اللبناني بالمضيّ في مفاوضات الترسيم، يناقض القلق الناتج عن إمكان قيام «حزب الله» بأيّ تحرّك داعم لإيران في حال حصلت مواجهة عسكرية في الخليج، وهو ما كان ساترفيلد قد أبلغه الى المسؤولين اللبنانيين على شكل تحذير.