رغم ما تبديه الدول الأوروبية من دعم للملف النووي الإيراني ومن تفهم متعلق بانفتاحها على السوق الإيرانية، إلا أن حساباتها تتجه للوقوف إلى جانب الولايات المتحدة بخصوص خطورة الأنشطة الباليستية الإيرانية.
 

على خلفية إعلان طهران الأسبوع الماضي تعليق بعض تعهداتها بموجب الاتفاق النووي، وتهديدها بإجراءات إضافية خلال 60 يومًا، في حال لم تطبق الدول الأوروبية التزاماتها في تخفيف آثار العقوبات الأميركية التي أعيد فرضها على البلاد وخصوصا في قطاعي النفط والمصارف، قال وزير المالية الفرنسي برونو لومير، أن "أوروبا التي تواجه ضغوطًا هائلة من الولايات المتحدة بشأن التجارة مع إيران، لن تخضع لتحذيرات طهران، في رسالة تعكس اقتراب الموقف الأوروبي من التشدد الأميركي حيال طهران والذي بدا معزولا في أول المطاف"، وأضاف "لا أعتقد أن أوروبا ستنجر إلى فكرة التحذيرات هذه"، مشيرًا إلى أن "الأوروبيين يواجهون ضغوطا هائلة من واشنطن في ما يتعلق بالتجارة مع إيران، وأن التهديدات الإيرانية بالإنسحاب من الإتفاق النووي مع القوى العالمية غير مفيدة".

علمًا، أن التحذير الفرنسي أتى بعد تلميح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إثر لقائه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الأسبوع الماضي، إلى أن روسيا ليست فرقة إطفاء ولا يمكنها إنقاذ الجميع.

في غضون ذلك، يرى مراقبون نقلًا عن "العرب اللندنية" أن "الموقف الروسي المفاجئ من إيران يحمل ملامح “صفقة” بين واشنطن وموسكو تتم بموجبها تسوية الخلافات في سوريا مقابل نأي موسكو بنفسها عن تداعيات التهديدات الإيرانية.

كما يشير محللون إلى أن "تصريحات القادة الفرنسيين حيال طهران تمثل رسالة غير مباشرة إلى قادة إيران مفادها أن باريس ستنأى بنفسها أيضًا عن تداعيات الإنسحاب من الإتفاق النووي إذا غامرت طهران ونفذت تهديدها". في مقابل ذلك، لمحت كبرى الدول الأوروبية الداعمة للإتفاق (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) إلى فرض المزيد من العقوبات على إيران ما لم تحترم التزاماتها، في خطوة تؤكد أن ما تبديه هاته الدول من دعم للملف النووي لا يحجب مخاوفها من أنشطة طهران المزعزعة لاستقرار المنطقة.

وقوبل تهديد إيران بخرق بنود الاتفاق النووي عبر مواصلة تخصيب اليورانيوم بتشدد أوروبي غير مسبوق ينذر بنفاد صبر الحلفاء الأوروبيين تجاه أجندات طهران، فيما صرح وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو من لندن بأن واشنطن تتابع عن كثب التصعيد الإيراني في المنطقة قبل التحرك.

ويُذكر، أن فرنسا أعلنت أنها لا تستبعد فرض عقوبات على إيران، وذلك بعد إعلان الأخيرة خروجها جزئيًا من الاتفاق النووي الدولي، وقالت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي، ردًا على سؤال عن احتمال فرض أوروبا عقوبات على إيران في حالة عدم وفاء إيران بالتزاماتها "ربما كان ذلك أحد الأشياء التي ستناقش"، وأكدت الوزيرة أن فرنسا تعتزم التمسك بالاتفاق مع إيران"، وقالت إنه "عند النظر لسياسة استعراض القوة التي تقوم بها الولايات المتحدة، فلن يكون هناك شيء أسوأ من أن تدير إيران ظهرها للإتفاق".

وحضت ألمانيا بدورها إيران على الالتزام بالاتفاق النووي، داعية إياها إلى عدم إثارة المشكلات، وقال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس إن الحكومة الألمانية قلقة من إعلان إيران أنها ستقلص القيود المفروضة على برنامجها النووي، مضيفًا أنه يجب تجنب أي إجراء من شأنه تهديد استقرار المنطقة، وقال "نشدد على موقفنا بأننا نريد الالتزام بالإتفاق وخصوصًا لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي"، مؤكدًا أن الإتفاق مهم لأمن ألمانيا وأوروبا، كما عبّر عن قلقه من أنشطة إيران المزعزعة لاستقرار المنطقة بالقول "ترى هل أن البرنامج الصاروخي لطهران يتسم بدرجة عالية من الإشكالية؟".

من جهتها، أكدت بريطانيا أن إيران ستواجه عواقب إذا تراجعت عن اتفاقها النووي مع القوى العالمية المبرم عام 2015، وقال مارك فيلد وزير الدولة بوزارة الخارجية أمام البرلمان البريطاني "إعلان طهران اليوم، خطوة غير مرحب بها"، وأضاف "لا نتحدث في هذه المرحلة عن إعادة فرض العقوبات، ولكن يجب أن نتذكر أنه تم رفعها مقابل القيود النووية".

ورغم ما تبديه الدول الأوروبية من دعم للملف النووي الإيراني ومن تفهم متعلق بانفتاحها على السوق الإيرانية، إلا أن حساباتها تتجه للوقوف إلى جانب الولايات المتحدة بخصوص خطورة الأنشطة الباليستية الإيرانية. 

وفي السياق ذاته، يرى مراقبون نقلًا عن "العرب" أنّ "مساعي طهران لتوظيف الخلاف التجاري بين واشنطن وأوروبا لإحداث اختراق في المواقف قد فشلت بعد أن أعلن الاتحاد الأوروبي مؤخرًا عقوبات جديدة عليها بسبب برنامجها الصاروخي"، كما يروا أن "تمسّك الطرف الأوروبي بالإتفاق النووي الإيراني لا يحجب مخاوفه من أنشطتها الباليستية والمزعزعة لاستقرار المنطقة وحتى داخل بلدان الاتحاد، بعد توجيه التهم للإستخبارات الإيرانية بتنفيذ اغتيالات في كل من فرنسا والدنمارك وهولندا، ما يقرّب الموقف الأوروبي أكثر فأكثر من الموقف الأميركي الذي بدا معزولا في بداية المطاف".