تقليدياً، هناك نوعٌ مثير من «التعايش السلبي» بين «حزب الله» والأميركيين في لبنان. إنه «تعايش أعداء» لا يريد أيٌّ منهم أن يقضي على الآخر، بسبب وجود خيطٍ معيَّن من المصالح... على رغم من كل شيء! ولكن، هناك مَن يسأل: هل تنكسر قواعد «التعاش» أو قواعد الاشتباك الحالية، فتخوض إدارة الرئيس دونالد ترامب مواجهة حاسمة مع «الحزب»؟
 

يطمح عدد من خصوم «حزب الله» إلى أن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من الضغوط الأميركية على إيران و»حزب الله». وفي تقديرهم أن ذلك سيقود «الحزب» إلى تنازلات داخلية في السياسة والأمن والإدارة. 

وفي الواقع، يحرص الأميركيون على إظهار جدّية في مواجهتهم مع «الحزب»، من خلال رفع منسوب عقوباتهم المالية بهدف الوصول إلى تجفيف مصادر التمويل. كذلك يبعثون برسائل إلى القوى السياسية كافة مفادها أن هذه العقوبات ستتصاعد وتتسع. وبعدما كانت تقتصر على كوادر «الحزب» ومؤسساته، امتدت إلى الأقربين إليه، وباتت اليوم تشمل عدداً من المرتبطين به وستصل لاحقاً إلى دائرةٍ أوسع.

وبين خصوم «الحزب» مَن يعتقد أنّ المرحلة المقبلة من الضغط الأميركي ستدفع عدداً من حلفائه إلى الحدّ من ارتباطهم به، خوفاً من شمولهم بالعقوبات وضرب علاقاتهم بالولايات المتحدة. وفي تقديرهم أنّ هذا سيعني الرئيس ميشال عون و»التيار الوطني الحرّ»، كما الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري، داخل أجهزة الحكم وخارجه. فهذه القوى الثلاث تتمتع بعلاقات وطيدة مع الأميركيين، وهي تدرك أنّ من المستحيل أن يقف لبنان الرسمي مع إيران في مواجهتها مع واشنطن. وحتى «حزب الله» نفسه يعرف أنّ طبيعة موقعه في لبنان تفرض عليه الحفاظ على مقدار معيَّن من «التعايش» مع واشنطن.

الواضح أنّ واشنطن أيضاً، حتى في ذروة المواجهة التي خاضتها إدارة الرئيس جورج بوش مع «حزب الله» في العام 2005، تفهَّمت الخصوصية اللبنانيّة.

وآنذاك، استمعت إلى نصائح حلفائها أركان 14 آذار بأن تتخلّى عن مواجهتها المباشرة مع «حزب الله» بعد خروج القوات السورية من لبنان، وتترك لهذا الفريق مهمَّة استيعاب «الحزب» في «الحالة اللبنانية»، «لأنّ اللبنانيين قادرون على التفاهم في النهاية».

وعلى مدى الأعوام الـ14 الفائتة، لم يبادر الأميركيون إلى تغيير قواعد اللعبة. وهم يتركون للمعادلة السياسية في لبنان أن تحدّد موقع «الحزب» ودوره. وهم يتعاطون مع الحكومات التي هو جزء منها، وفي شكل غير مباشر، مع الوزارات التي يتولّاها.

وفي العامين الأخيرين، بلغ الضغط الأميركي على إيران و»الحزب» درجات عالية. ومن الواضح أنه سيتدرّج صعوداً بهدف شلّ الذراع المالية والعسكرية والأمنية لـ»الحزب». ولكنّ مصادره توحي أنّ هذه الضغوط لم تتسبب له بأذى حيوي، وأنّ برامجه الأساسية كلها لم تتأثّر.

لقد بذل الأميركيون جهوداً حثيثة لمنع «الحزب» من امتلاك كتلة وازنةٍ في المجلس النيابي الحالي، لكنه حصد الأكثرية. ثم جهدوا للحؤول دون إمساكه بالغالبية في الحكومة وبوزارات يمكنه استغلالها لتنفيس الضغط المالي عليه، فإذا به يحصل مع حلفائه على الغالبية ويمسك بوزارة الصحة مباشرة ووزارات أخرى بطريقة غير مباشرة.

وسعت القوى السياسية اللبنانية إلى بذل وساطات في واشنطن، من خلال الوفود الكثيفة، إلى إقناع واشنطن بالتريّث في تطوير عقوباتها لتشمل هذه القوى المرتبطة بـ»الحزب» أو لبنان ككل. وجهدت هذه القوى في إقناع الإدارة الأميركية بأنّ استهداف لبنان بالعقوبات في هذه الظروف يقتله قبل أن يقتل «حزب الله». 

وبالفعل، لا تجد واشنطن مصلحة في استهداف لبنان وتعريضه لمخاطر انهيار مالي ينعكس سياسياً وربما أمنياً. فالاستقرار اللبناني ما زال واحداً من مرتكزات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لضرورات عدّة… وبأيّ ثمن.

لذلك، يرفع الأميركيون مستوى ضغوطهم على «حزب الله»، لكنهم يوقفونها عند حدود الاستقرار اللبناني. وفي المقابل، يتشارك «الحزب» مع إيران في تحدّي الولايات المتحدة وإعلان الاستعداد لمواجهتها، لكنه على أرض الواقع يلتزم حدود تهدئة لافتة… ويساعده حلفاؤه اللبنانيون على ذلك.

وهذا «التعايش» المثير على أرض لبنان بين واشنطن و»الحزب» شهد محطات مهمّة. ومنها مثلاً أنّ «الحزب» استفاد من المعلومات التي كان يمتلكها الجيش اللبناني، بدعم أميركي، في الحرب على الإرهاب في صيف 2017.

إذاً، ماذا يريد الأميركيون اليوم من «حزب الله»؟ وكيف سيتصرَّف «الحزب»؟

بالنسبة إلى واشنطن، لا مشكلة في وجود حزب شيعي قوي وفاعل هو «حزب الله». لكنّ المشكلة هي في سيطرته على القرار السياسي، وفي كونه جزءاً من الأداة العقائدية والعسكرية الإيرانية، وما يمكن أن تمثِّله من مخاطر استراتيجية على إسرائيل. ولذلك، يعمل الأميركيون على انتزاع أكبر مقدار من القوة من يد «الحزب»: قطعُ طريق السلاح (إسرائيل تتولّى مهمَّة الإغارة حيث يلزم)، وقطعُ منابع التمويل. وفي تقديرهم أنّ موازنة «حزب الله» السنوية تقارب المليار دولار. 

ويقول الممثل الخاص لشؤون إيران في الخارجية الأميركية، براين هوك، إنّ إيران كانت تموِّل «الحزب» بنحو 70% منها، أي 700 مليون دولار، لكنها قلَّصت الرقم بعد تشديد العقوبات الأميركية عليها. وأما البقية فتتأمّن من «المبادلات والاستثمارات الدولية وشبكة المانحين ونشاطات تبييض الأموال». ولذلك، يتابع الأميركيون أيضاً كل الشبكات المعنية ويبتدعون القوانين اللازمة لتفكيكها.

طبعاً، هناك كلام كثير يدور في الأيام الأخيرة حول تقشّف «الحزب» وتقنين مصاريفه… حتى تلك المتعلقة بعملياته في سوريا. ولكن، يحتفظ «الحزب» بمصادر تمويل مختلفة، بعضها مستتر، ولكنّ انخراطه في الحكومة الحالية بقوة يمنحه قدرةً على الصمود في الحدّ الأدنى.

والعصب الذي تعتمده إدارة الرئيس دونالد ترامب في مواجهاتها الاستراتيجية الكبرى هو المال. وحتى عندما تستعرض قواها العسكرية العملاقة، كما يجري اليوم في مواجهة إيران، فإنها ترمي إلى حماية منابع المال من جهة، والحصول على فرصٍ لصفقات استثمار. والرئيس الأميركي غالباً ما يستعرض القوة من أجل إنجاح الصفقة لا من أجل القتال.

وأياً تكن صفقة طهران مع ترامب، فإنّ حلفاءها الإقليميين سيكونون جزءاً منها. و»حزب الله» واحدٌ منهم، وهو يعرف هذه الحقيقة. ويعرف أنّ التطورات المقبلة ربما تكون مصيرية بالنسبة إليه. ولذلك، سيكون مناسباً له أن يحمي نفسه باستمرار منطق «التعايش» المثير مع واشنطن، محميّاً بكل أوراق القوة اللبنانية، وليس المواجهة الإقليمية المكشوفة.