الشروط الأميركية ما كان لها أن تُوضع لولا أن إيران قد اجتازت خطوطا دولية حمراء عديدة، فصارت تهدد من خلال سياساتها الأمن والسلم العالميين، وصارت عبئا ثقيلا على منطقة يحتاج إليها العالم في كل لحظة.
 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقول إنه لا يسعى إلى الحرب، غير أنه في الوقت نفسه يعدُ بإرسال المزيد من الجنود الأميركيين إلى الخليج. المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي هو الآخر يستبعد وقوع حرب على بلاده، غير أنه يصر على الاستمرار في السياسات التي تدفع في اتجاه الحرب.

لا أعتقد أن أحدا من الخصمين سيتراجع عن موقفه في وقت قريب. الولايات المتحدة ليست مضطرة للحرب إلا إذا تعرضت مصالحها أو قواعدها لاعتداء من قبل إيران أو من قبل جهة محسوبة عليها. يمكنها معالجة المسألة النووية بعد أن تخلت إيران عن التزاماتها في ذلك المجال عن طريق ضربات فنية لأماكن منتقاة.

إيران ليست مضطرة للحرب إلا إذا تخيلت أنها عن طريق تلك الحرب تستطيع أن تفك عن رقبتها حبل العقوبات الذي صار يضيق. ذلك يعني أن الولايات المتحدة تملك متسعا من الوقت، فيما الوقت الإيراني في طريقه إلى النفاد. فما الذي يمكن أن تفعله إيران بدلا من الحرب لكي تستعيد وضعها الطبيعي وبالضبط مستوى صادراتها النفطية؟

لا أحد يجرؤ على الاقتراح على إيران أن تذهب إلى المفاوضات صاغرة لتعلن عن إذعانها للشروط الأميركية. وهو اقتراح ينسجم مع منطق الأحداث المتصاعدة، ولا يسيء لإيران ولا يقلل من قيمتها.

بشكل أساس فإن تفادي وقوع الحرب خير من التورط فيها. ولقد كانت لإيران تجربة سيئة في ذلك المجال حين أصرت على أن تحارب العراق ثماني سنوات ولم تحصد سوى الخسائر.

ثم إن الشروط الأميركية لو تأملناها جيدا لا تنقص من سيادة إيران شيئا وهي لا تتعارض مع حق إيران في التعامل بحرية مع العالم ولا تسد أمامها الأبواب بل على العكس تفتحها.

الشروط الأميركية ما كان لها أن تُوضع لولا أن إيران قد اجتازت خطوطا دولية حمراء عديدة، فصارت تهدد من خلال سياساتها الأمن والسلم العالميين، وصارت عبئا ثقيلا على منطقة يحتاج إليها العالم في كل لحظة.

سيكون من الصعب على إيران القبول بذلك المقترح للأسباب التالية. أولا لأنها مضت في مشروعها التوسعي إلى درجة لا يمكن تخيل التراجع عنه معها. حينها يكون التراجع خيانة وهو ما يمكن أن يؤدي إلى انقسام في القيادة الإيرانية قد يقود إلى سقوط النظام. وثانيا فإن ذلك التراجع سيعني الاعتراف بفشل المشروع الذي أنفقت عليه مئات المليارات من الدولارات عبر ثلاثين سنة من التبشير بخط الخميني الذي يقوم على مبدأ تصدير الثورة الذي هو أحد أهم ركائز الجمهورية الإسلامية في إيران.

من غير ذلك المشروع الذي تنسفه الشروط الأميركية لن يتبقى من إيران شيء. والمقصود هنا إيران النظام وإيران الثورة وإيران آيات الله.

لذلك فإن إيران تبدو مضطرة للمواجهة دفاعا عن مشروعها الذي يبقيها خارج حدودها، وليس لأن هناك خطرا يهدد وجودها، دولة ونظاما.

في تقدير إيران أن الحرب إن وقعت فإنها لن تقع على أراضيها بسبب اعتمادها على أذرعها التي سيكون بإمكانها أن تنشر الفوضى في المنطقة. وهو ما لا يستقيم مع التقديرات الأميركية التي سبق أن لخصها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بربطه أي نشاط عدواني ضد المصالح الأميركية بإيران. ستكون إيران هي الهدف الأساس من تلك الحرب وليس تطبيق الشروط الأميركية فقط.

تلك الحرب إن وقعت ستكون مكلفة لطرفيها غير أن المؤكد تبعا لميزان القوى أن إيران ستخسرها. أما ما الذي ستخسره إيران؟ فذلك لا يمكن التقليل من فداحته التي لا يمكن التنبؤ بحجمها. فالحرب في النهاية لن تجلب سوى الخراب.