جد لبنان أُعطِيَ لـهُ، ليُعطيَ هو لبنانَ مجداً...

إنه تاريخ البطاركة منذ ما قبل البطريرك الياس الحويّك، الذي حمل جبل لبنان الى مؤتمر الصلح في باريس وعاد به جبلَ مَجدٍ لدولة لبنان الكبير.

ومنذ أن أعلن البطريرك أنطون عريضة الحرب على الإنتداب الفرنسي وعلى الحكومة اللبنانية المؤتمرة بأمره لتحقيق استقلال لبنان، مطالباً الذين يترشحون للنيابة بأن يقسموا يمين الولاء لكيان لبنان الكبير(1).

وتسلّم البطريرك صفير المشعل فلم يتركه حتى ولو أحرقة اللَّهب، ليُعلن الحرب هو ايضاً على ما سمَّـاهُ الإنتداب السوري وعلى الحكومة اللبنانية التي تأتمر بأمره، من أجل إطلاق الإستقلال من الإعتقال.

وحدَهُ كان في الساح معلّقاً بين أكثر من لصيّن...

وحَدَه كان يواجه لصوص الهيكل المقدّس...

القيادات «الوطنية» التي تخلع على نفسها ثوباً وطنياً مصبوغاً بالألوان، كانت تقترع على ثوب لبنان.

والقيادات المسيحية، التي خضَعتْ في البريّـة لتجربة الشيطان، توزّعت بين المنفى والسجن، بالرغم من أنَّ البطريرك صفير قد بذَلَ... كمثل ما «بـذَل المسيح ذاتَـه ليجمع في الوحدة أبناء الله المشتّـتين»(2).

ومثلما كان المسيح متسامحاً مع بطرس الذي أنكره ثلاث مرات مكتفياً بالقول: «يا قليل الإيمان لماذا شكَكْت»(3) هكذا كان شأن البطريرك صفير، محبّاً متسامحاً منفتح القلب والعقل والساعدين، إلاّ أنه كان قويَّ الشكيمة، عنـيد الموقف، صلْب الإيمان، من أجل مجد لبنان، «أنا لست أطلب مجدي»(4).

بالآية القائلة نفسها... «باركوا لاعِنيكُمْ، أحسنوا إلى مَنْ يضطهدكم...»(3) كان الإقدام البطريركي الشجاع على المصالحة في الجبل: المفجوعِ هجرةً والنازفِ دماً، والبطريرك صفير متضلّعٌ هو من التاريخ، يعرف أهمية الجبل الوطنية، وكم كان للأمير فخر الدين من فضلٍ على مجد لبنان بفعل هُويَّتهِ الدرزية – المسيحية، كمثلِ الأمير بشير الثاني، الذي يقول فيه فيليب حتي: «كان مسيحياً بالمعمودية مسلماً بزواجه درزياً لدى أعوانه...».

الذي يعرف التاريخ يبعث حقائق التاريخ عبَراً حيّةً للأجيال، وحدَهُمْ الجهلة يضعون على كنوز التاريخ حجراً فوق قبـر.

بوحيٍ من الكنيسة كانت رسالة البطريرك صفير التي أكّدها الإرشاد الرسولي: «بما يجمع بين اللبنانيين في شعبٍ واحد وأخوّة مشتركة فيعتبر المسيحيون والمسلمون بعضهم بعضاً شركاء في بناء البلد مع التشدّد على مسيحيي لبنان بضرورة المحافظة على علاقاتهم التضامنية مع العالم العربي وتوطيدها»...(5).

وبوحي الرسالة الإنفتاحية نفسها إرتدى البطريرك عريضة عباءةَ الملك سعود بن عبد العزيز التي تلقاها الرئيس بشارة الخوري من الملك فأهداها إلى البطريرك.

وبوحي هذه الرسالة دعا البابا يوحنا بولس الثاني الكاثوليك في العالم إلى مشاركة المسلمين في آخر يومٍ من صيامهم الرمضاني.  مع غياب البطريرك صفير الذي كان عمره من عمر لبنان الكبير، ينتقل المشعل البطريركي من يـدٍ الى يـد، ومن راعٍ الى الراعي دونما انطفاء، ليظل معه يتلألأ مجد لبنان.  1- رغيد الصلح: كتاب لبنان والعروبة. 2- يوحنا: 11-52. 3- متى: 14-31 

4- متى: 5- 44-45. 5- يوحنا: 8-28-6. 6- الإرشاد الرسولي ص. 23-150.