لا أحد يعترف «بمهلة سماح» للحكومة الحالية، وتحديداً رئاستا الجمهورية والحكومة، على رغم من المواعيد التي حُدّدت لإعلان الفشل أو النجاح في تجاوز «الامتحان». مَن التقى رئيس الجمهورية ميشال عون أخيراً نقل عنه، على رغم من استيائه الواضح من كمّ «الإشاعات» التي «تفتك» بسمعة العهد و«استقراره»، أنّ «حكومتي الأولى أتت لتنجز. لا خيار آخر لدينا وسترون».
 

عبّر عون قبل أيام عن استيائه الشديد ممّا صدر عن داود مخيبر، أحد المشاركين في اعتصام المنصورية، على خلفية سيل الشتائم التي وجّهها اليه والى الوزيرين جبران باسيل وندى البستاني في مدّ خط التوتر العالي في المنطقة.

«بكل صراحة ـ قال عون أمام زواره قبل أيام ـ أنا مع حرية الرأي، لا نقاش في ذلك، ونحن أصلاً ممّن عانوا الاضطهاد بسبب معاركنا في الدفاع عن قضايا وجودية آمنّا بها. لكن بعض الإساءات لا يُحتمل. هناك خيط رفيع بين الحريات العامة وبين هيبة الدولة، وإذا سقطت هذه الهيبة الخاسر الأول هو المواطن»، نافياً كل ما يساق ضد عهده من أنه «عهد القمع»، مضيفاً: «عندما تقال الحقائق كما هي يصبح هامش الاستهداف أكبر بكثير»!

تطمينات وتوضيحات لا ترضي «الناقمين» على سياسة «قمع الحريات» التي تلاقيها سياسة مدّ اليدّ الى «الجيوب الفارغة»ً بفضل السياسات المتعاقبة.

لن يكون تفصيلاً بسيطاً أن يحلّ باسيل، متقدِّماً بأشواط عن غيره من السياسيين منذ 1992 وحتى اليوم، على لائحة السياسيين الأكثر تعرَضاً للهجوم والانتقاد القاسي والذي على خلفيته اقتيد كثيرون الى غرف التحقيق والمحاكم، ولن يكون أمراً عابراً أن يُصوّر عهد عون أنه عهد «كمّ الأفواه والاستدعاءات الأمنية» متخطياً، في رأي خصومه، ما كان يحصل أبّان الوصاية السورية. لكن ذلك لا يحجب إقتناعَ عون أنّ «مشروعنا الإصلاحي كبير ومصيري والفرصة إستثنائية، وربما الوحيدة لـ «تحرير» إقتصادنا، ولهذا الحملة علينا بهذا الحجم»!

بين حدّي الدفاع عن «هيبة» الدولة، وإنقاذ عهده من «فمّ التنين» المبشّر بإنهيارٍ مالي واقتصادي وشيك ووضع الأسس لسياسةٍ تصحّح مسار المالية العامة إستناداً الى الموازنة الأكثر تقشفاً بعد «اتفاق الطائف»، يدير رئيس الجمهورية أكبر عملية إصلاحية في دهاليز الدولة إنطلاقاً من إقرار موازنة يُفترض أن تسجّل نسبة العجز الأقل مقارنة بسابقاتها.

ما قيل عن «ملاحظات» لعون على الموازنة و»مجموعة الاقتراحات» التي سيطرحها باسيل في مجلس الوزراء هما خطان متوازيان يصبّان في النهاية عند هدف الخروج من موازنة «الأرقام» الى موازنة تحفيز الإنتاج الوطني، لكن مع بعض التمايز.

«إبن الدولة» ميشال عون، أحد موظفي القطاع العام سابقاً، بسلكه العسكري، والخبير في تركيبته، بدا أكثرَ تقدّماً نحو الأخذ في الاعتبار دقة الاوضاع الاجتماعية وانعكاسات إجراءات التقشف على موظفي القطاع العام، من باسيل حامل شعار «سنتألم في البداية لكن على المدى الطويل سنرتاح»، على ما يؤكد قريبون من رئيس الجمهورية.

«ملاحظات» عون التي أعلن عنها سابقاً مُرّرت خلال جلسات مناقشة الموازنة عبر التنسيق مع وزراء رئيس الجمهورية و»التيار الوطني الحر»، أما تلك التي يبدي عون حرصاً على أن لا تتعارض مع «حقيبة الاختصاص» لأيِّ وزير، فارتأى إيصالها عبر المدير العام لرئاسة الجمهورية انطوان شقير، حيث عرض الأخير في جلسات سابقة أفكاراً تعكس توجّه عون بضرورة تفعيل القطاعات الإنتاجية وإسنادها لحماية الإنتاج الوطني وزيادة فرص العمل وخفض عجز الميزان التجاري. أما اقتراحات باسيل التي عرضها على الرؤساء الثلاثة فستطرح بعد الوصول الى الملخص العام للموازنة، كما قال أمس.

يسلّم أهل القصر أنّ «غرفة العمليات» التي يترأسها عون في قصر بعبدا، من خلال الاجتماعات مع «مفاتيح» أساسية لإقرار موازنة تعبيد الطريق نحو الخطة الاقتصادية وتطبيق إصلاحات «سيدر»، هي «الغطاء الآمن» لولادة موازنة تحفيز الاقتصاد، والتي تعكس في شقها الأكبر أحد وجوه مكافحة الفساد «هاجس عون الفعلي»، في رأي فريقه.

بات عون مرتاحاً بمقدار كبير الى مناخات النقاش داخل مجلس الوزراء، «بعدما عكست أولى جلساته نوعاً من التشنّج بسبب المزايدات التي لا تتماشى مع دقة المرحلة، أما اليوم فأجواء النقاش جيدة وبنّاءة»، بتأكيد قريبين من عون.

يشير هؤلاء الى «اللقاء الثلاثي» الأخير في قصر بعبدا الذي «أتى أساساً تحت ضغط تحرّكات الشارع وبطء النقاش في الموازنة ووجود تعارض بين ما يقال في الداخل والخارج، لكن الذي عكس أيضاً تفاهماً بنسبة كبيرة خصوصاً في شق الإصلاحات وأبواب التقشف، وهو الأمر الذي أكده لاحقاً رئيس الحكومة سعد الحريري من خلال الإشارة الى «موقفنا الموحَّد في ما يتعلق بالموازنة والإصلاحات».

أوساط رئيس مجلس النواب نبيه بري تؤكد أيضاً وجود هذا التفاهم، متسائلة «وهل من خيار آخر؟». وتقول: «لا وقت للخلافات ولا جدوى من المناكفات، والمنتظر من الحكومة لم يتحقق بعد، فيما الالتزامات تجاه الخارج تضغط أكثر علينا. هناك مسؤولون دوليون يسألوننا «هل خطة الكهرباء جدّية؟!».

لكن حتى في إطار التوافق يبرز دوماً حرصُ عون على ما جهد لإثباته منذ اليوم الأول لجلوسه على كرسيّ الرئاسة: مركز القرار الاستراتيجي قصر بعبدا تماشياً مع روحيّة «إتفاق الطائف». ليست هناك أيّ أحادية، بل كل شيء يتمّ بالتفاهم مع رئيسي مجلس النواب والحكومة.

آخر جلسة تسبق إحالة مشروع الموازنة الى اللجان في مجلس النواب ستستضيفها طاولة مجلس الوزراء في قصر بعبدا. بات الأمر من «طقوس» الرئاسة الأولى في حصر الجلسات المعنية ببتّ الملفات المهمة و»المصيرية» على طاولة بعبدا وليس السراي الحكومي، وقانون الانتخاب نموذج.

لكنّ «قطوع» الحكومة قد لا يقارَن بشيء بـ «قطوع» النقاش على بنود الموازنة داخل مجلس النواب على رغم الاجواء الرئاسية التوافقية.

وفق المعلومات، ثمّة إصرار لدى بري على أن يأخذ المجلس النيابي مداه الرقابي والتشريعي في «تشريح» الموازنة بعد اجتيازها أيضاً نقاشات اللجان. هنا ستحضر «التلوينات» السياسية الخارجة من عباءة الاصطفافات الكبرى والتي ستعطى الفرصة لها، في رأي مطلعين، لـ «جَلد» الحكومة!

يعطي هؤلاء نموذجاً بسيطاً عن سوء التخطيط في ما يفترض أنه من البديهيات: الجميع بلا استثناء يعي خطورة المرحلة، ويتحدث عن «البوسطة» التي تتأرجح قرب المهوار، ويدرك أنّ للاسترخاء أثمانه «السيدرية» (نسبة الى مؤتمر «سيدر») الباهظة، لكن كيف يمكن «عامود توتر عالٍ» أن يؤخر خطة الكهرباء التي استغرقت عقوداً لكي تولد؟ وماذا فعل الفريق السياسي اليوم الذي يقود مشروع «وصلة المنصورية» لإزالة الألغام من أمام خطة الكهرباء، فيما كان من المفترض أن يتكفّل هذا الفريق بالحلّ لأنه كان الرافض الأول لتركيب هذه الوصلة التي كان يمكن أن تخفّف من هدر الكهرباء بمقدار كبير لو اعتُمدت قبل سنوات؟».