بين لبنانيين وتجربتين أيّ عاقل بعد يختار ما وصل اليه اللبنانيون من حضيض جعل لبنان مغارة لصوص ووضعه في أسفل الدول المُهانة والمندّد بها دولياً لكثرة ما ارتكبت من جرائم تقشعرّ منها أبدان الدول المتقدمة.
 

ليس عبثاً رفض الجيل الأخير للمارونية السياسية للأحزاب أُبّان فورتها القومية والماركسية ودعوة أبنائه بالاكراه الى عدم الانخراط في مشاريعه الأحزاب التي ظهرت في بدايات الحرب الأهلية كطوق نجاة من نظام غير عادل تستأثر فيه طائقة وتوزع فيه بقاياها على بقيّة الطوائف وهذا ما أخلّ بمناطق على حساب مناطق مزدهرة وأضرّ بمواطن لصالح مواطن مرفّه وما كانت الحرب سوى عبثية حطّت من مكانة لبنان وألغت فيه الدولة رغم ما فيها من عيوب في السلطة والممارسة.

تعلّق بسطاء الناس بالدولة كان وعياً لم تدركه العقول المفكرة في أحزاب الحركة الوطنية التي هدّمت ما بناه اللبنانيون رغم الخلل السياسي من بناءات متعددة كانت مرايا للعرب واستثناءًا جعل من لبنان كما كانوا يقولون سويسرا الشرق فكانت معايير الدولة متوفرة كبنية مؤسساتية وكانت خدمات السلطة متقدمة في مناطق تتوفر فيها المياه والكهرباء وشبكة الاتصال وكانت الأعمال متاحة وكان الفقير غنياً في لبنان مقارنة مع فقراء العرب من سورية الى مصر فدول الخليج الى ما قبل اخراج النفط وكانت هوية لبنان هوية محترمة في العالم وكانت العملة الوطنية عملة ذات قوّة شرائية وكان لبنان أخضر في كل شيء وكان مقصداً للعالم لميزة فصوله وحُسن ناسه ولا مجال للمقارنة أو المقاربة ما بين لبنانيين واحد أخضر و أخر يابس واحد بنته سياسات شوفينية متخلفة ورجعية وعميلة للغرب وآخر هدمته سياسات وطنية وقومية وحركات مقاومة وتحرّر وصديقة لدول عروبية قومية واشتراكية ثورية.

إقرأ أيضًا: شمعة بري لعنة عتمة

اذا كانت صيغ اللبنانيين ما قبل الحرب قد وضعت السلطة بيد طائفة فإن صيغ ما بعد الحرب والتي وضعت السلطة في يد الطوائف الكبرى ليست صيغاً بأفضل منها على ضوء التجربة المرّة فلا مجال للمقارنة ما بين دورين بين سلطة مطعون فيها كونها سلطة طائفة ولكنها بنت ما ميّز لبنان في كل شيء عن أقرانه العرب وجعلته شبيه الغرب في مجالات معيّنة وبين سلطة موزعة فيها الحصص السياسية لصالح الطوائف ولكنها أهلكت الحرث والنسل ولم يتبق من لبنان الأخضر ما يدل عليه وسط صحراء جرداء وافقرت البلاد والعباد وجعلوا لبنان السويسري لبنان الصومالي.

بلد ملوث وتفوح منه روائح النفايات والفساد وتصل الى أنوف الغرب الذي أزكمته روائح السياسة في لبنان فقرر اقفال حنفيات الدعم والقروض ريثما يصلح السياسيون ما أفسدوه ولكن الرهان على المفسدين للاصلاح ضرب من ضروب الفساد أيضاً فالطبقة السياسية هي من أعلنت فساد بعضها البعض وهي من تحدثت عن سرقاتها ونهبها للمال العالم من قبل أن يتحدث المواطنون ومن قبل ان تنشر غسيل السياسة الوسخ في لبنان الشبكات الدولية المعنية والمختصة في تصنيف الدول ووضعها على لوائح الافقارأو الغنى أو على لوائح الفساد أو على لوائح الشرف.

بين لبنانيين وتجربتين أيّ عاقل بعد يختار ما وصل اليه اللبنانيون من حضيض جعل لبنان مغارة لصوص ووضعه في أسفل الدول المُهانة والمندّد بها دولياً لكثرة ما ارتكبت من جرائم تقشعرّ منها أبدان الدول المتقدمة.