في وثائق الدبلوماسية الغربية وأسرار رموزها الكبار، قول شائع، لا يعرف أحد مصدره الاول، وهو لا يتردد على مسامع اللبنانيين، حرصاً على "مشاعرهم الوطنية"، مفاده أن لبنان، كدولة ، كان وسيظل بلداً يعرج بطريقة مقبولة، من دون ان يتمكن يوماً من السير بشكل طبيعي. وهذا القول سابق لفكرة "الدولة الفاشلة" التي اطلقها الاميركيون على لبنان في ثمانينات القرن الماضي وصارت من لزوميات اللغة السياسية المعنية بدراسة الحالة اللبنانية الفريدة.

لبنان يعرج هذه الايام، هو يكاد يسقط كما سقط مرات عديدة في تاريخه القصير، ثم نهض من تحت الركام لكي يكمل السير بخطى بطيئة، متعثرة، مترددة. لكنه هذه المرة، وأكثر من أي وقت، يخشى ان يطول السقوط ، بحيث ينسى ما تعلمه وما أكتسبه من خبرة في المشي على ..حافة الهاوية.

الازمة الاقتصادية والمعيشية كبيرة وعميقة جدا. في الحرب الاهلية، او غيرها من الحروب، كانت الازمات أشبه بتجارب مخبرية. تتوقف عجلة الاقتصاد تماماً، وتنتهي الحياة تقريبا. لكن الأحساس بأن الفرج آت لا محالة، لم يكن يفارق الكثير من اللبنانيين، وكان مبنياً على ما هو أبعد من الأمل والتمني، وكان مستنداً في كل مرة على أرقام وحقائق لم تكذب أبداً، حتى بات يقال ان اللبنانيين أدمنوا خوض الحروب مثلما أدمنوا عمليات إعادة البناء، التي صارت من معالمهم الوطنية.

هذه المرة، ليس هناك أمل. فالارقام والحقائق التي يقرأها اللبنانيون جيدا، تجزم بان أحداً لن يهب لنجدة لبنان إذا وقع. لن تأتي الهبات والمساهمات والاستثمارات العربية، التي تندر حتى في بلدان المنشاً وتزداد الحاجة اليها في دول منكوبة أكثر من لبنان، ولاسباب أهم من اسباب النكبة اللبنانية الراهنة، التي تعزى بشكل قاطع الى سوء الادارة للاقتصاد كما للسياسة في لبنان.. الذي لا يسمح حتى باستدراج القروض الميسرة، كما هي الحال الان مع مؤتمر سيدر وما سبقه من مؤتمرات باريسية ضاعت سدى.

هذه المرة الحل يجب ان يأتي من الداخل حصراً ومن دون أي مساعدة خارجية. وهنا يكمن سبب تضخم الازمة وتوسعها بحيث صارت تمس كل مواطن لبناني، وتهز كل بيت لبناني، بغض النظر حتى عن درجات الفقر ومعدلات الثروة. الجميع في مركب يبحر في مياه شديدة الاضطراب، ويمكن أن يغرق في أي لحظة.. والانكى من ذلك ان فرص ان يقف العالم متفرجاً هي أكبر من فرص مد يد العون.

البحث الراهن عن الحل هو وحده كارثة. الاسلوب الذي تعتمده الطبقة السياسية هو الأغبى والاخطر على الاطلاق. فهو يتلاعب الآن بالاستقرار الامني للبلد، أكثر مما يتحايل على الأجراءات الضرورية المطلوبة لمكافحة الفساد ووقف الهدر.. وتأجيل النهب المنظم لثروات البلد وإمكاناته. حتى زراعة الحشيشة وإلاستثمار بها، التي كانت إحدى الفرص المتداولة، هُدرت، ولم يعد لها وجود في نقاش سياسي أو إقتصادي، برغم الشكوك الجدية في جدوى هذه الفرصة.

الجدل الوحيد الان يدور حول ما إذا كان يمكن تفجير القطاع العام من الداخل، وإحتواء هذا الانفجار والسيطرة عليه. وهو سؤال سياسي، أكثر مما هو سؤال إقتصادي ومالي، وهو يتصل بتجربة الحرب الاهلية، ويكملها بشكل أو بآخر، لاسيما وأن جميع الطوائف والمذاهب اللبنانية لا تشعر بإستقرار موقعها ولا بالاطمئنان الى مستقبل دورها، ولا حتى ب"نهائية"وجودها، وهي تتنافس الان على الترويج لمظلومياتها الخاصة ، وتحويل كل واحدة منها الى خطاب وطني جديد.

ما تفعله السلطة الآن هو عكس ما يفترضه العقل والمنطق تماما، وما تستدعيه الحاجة للمضي قدما ولو بطريقة متعرجة، خطرة أكثر من السابق، بدلا من أن يتحول لبنان الى بلد كسيح.. يحمل علامات الحرب الاهلية ، ويظل يدفع ثمنها الى الابد.