يتلعثم اللسان، ترتبك النظرات، تضيق بها المسافات، يكاد لا يتسع الواقع لدقات قلبها المتسارعة، فتُطلق له العنان مغرّداً محلقاً يرسم الأحلام يُحيك الصور بريشة غمّستها بماء الورد وكستها عطر الشوق. هي الدكتورة كلود النخل ابنة مدينة الاستقلال «راشيا الوادي»، رغم تخصصها في الصيدلة وانهماكها في مجال صناعة الدواء، أحبت اللغة العربية وبرعت في الكتابة منذ أن كانت تلميذة على مقاعد الدراسة، فلازمها الشعر كطيفها، كبر معها، عشش في حنايا أفكارها، تفيّأ عقارب ساعتها، فكانت تسرق تلك الوالدة دقائق نوم ابنيها لتعيش مع الورقة والقلم أسمى المعارك والانهزامات، لتسطّر ما «حملته الصلاة... ولم تبح به الشفاه».
 

«كلمات لونها ورديٌّ دافئ»، هو الإصدار الأول للدكتورة كلود النخل، مولود طال انتظاره، كزهرة تشوّق قريبون وبعيدون لتفتحها وتنشق شذاها. وسط غمرة انشغالاتها واستعدادها لإجراء حفل توقيع ثمرتها الأولى مطلع الصيف، تروي النخل لـ»الجمهورية»، عن كواليس ديوانها، عمّا كُتب وما لم يُنشر، عن لقاءات ماتت قبل أن تُولد، عن قبلات عبثاً تناستها... «خبّأتها في منديل حاكته لي عيناك... وحاولت أهرب من اريج شفتيك... فتلقفتني يداك... لا ترحلي...».

«الكتابة حياة!» بين المرأة العاشقة، المراهقة المجنونة، السيدة المنتصرة، الشابة الحالمة، الحبيبة المهزومة... تتبدّل الشخصيات التي تطلّ بها النخل في كتاباتها، إلّا أنّ ما هو ثابت في حنايا كتاباتها سباقُها مع الوقت. فتقول: «لا أنكر أنني تمنيت مراراً لو أننا نملك اكثر من 24 ساعة، لأُمضيها في الكتابة والمطالعة حيث أعيش في عالمي الخاص، فأنا على قناعة تامة، بعض الكتابة حنين، بعض الكتابة أنين ولكنّ في الكتابة حياة، من هنا تعلُّقي الشديد بعالم الكتابة». وأكثر ما يضع تلك الشاعرة الكثيرة الأسفار، في سباق مع الوقت هو حبّها لاستكشاف جمال الكرة الأرضية، فتقول: «عشت في زمن الحرب التي عانينا منها كأيِّ أسرة لبنانية ألفراق، الموت، المرض، التشرّد، الهجرة... فهمت باكراً أنّ الأحبّة قد يفترقون إلى الأبد وثمة أمور تستحيل إعادتها وهذا مؤلم للغاية لذا علينا أن نعيش في كل دقيقة، وبما أنّ الوقت يتعذّر إيقافُه وجدت أنّ الكلمة كفيلة بأن تنقلنا إلى حيث نحب، تُعيدنا إلى حنينٍ يسكننا». فكتبت: «هي الأيامُ تَسرقنا... نحسب أنّ البدايات تبقى بداياتٍ... فلا نهاية تُباغتنا... ونمضي كما العمر ينساب خلسةً... وها نحن في النهايات نبدأ العدَّ من آخر العمر أينَ منها بداية...» إلى جانب أدوار الأنثى، لم تتردّد النخل في تقمص شخصية الرجل، فتوضح: «أحب أن أكتب مراراً بلسانه، أحاول أن أفهم كيف يرى الأمور، وكيف يبني نظرته الراقية للمرأة، تجذبني جرأتُه فأغمّس بها ريشتي، وغالباً ما تضعنا الحياة في ظروف وتحدياتٍ نكون فيها رجلاً وأنثى على حدٍّ سواء فتندمج الأدوار». فكتبت: «انتظريني وافرشي لي الدربَ من كلماتك كي لا أتوه... خذيني إلى صدرك الحبيب قطرة عطر يفوح أريجُها مع تنهيدة وافرحي معي... لأنني مهما ابتعدت إليكِ أعودُ».

 
إرتعاشة... صمت رغم سباقها مع الوقت وحنينها لمحطاتٍ مضت ولا تزال تُفعم قلبها حياة حتى اليوم، أدركت النخل أنّ الانتصار لا سيما في الحب لا يُخاض بضجيج الكلمات وسيل المشاعر واللقاءات، وعلى حدّ تعبيرها: «ما يُولد في الضجة تسرقه الضوضاء ويخسر شيئاً من رهجته». لذا أتقنَت في كتاباتها لغة الشوق، لغة العيون، لغة الصمت، لغة تحدّي المسافات حتى الذوبان. فكتبت: «صامت غزلك... يسترق الوقت، يحتال على الكلام بنظرة تختالُ في عَينيك... وصامت عشقي لك في ثورته وتمرّد لهفته... صارخٌ في هَمسته... كم يذوب شوقاً إليك». وفي قصيدة أخرى تقول: «لكلماتي لغة الشوق... وللشوق لُغته... عيناك». لوهلة قد يعتقد القارئ أنّ في جوف الصمت الذي أتقنَته تلك الشاعرة برودةً أو قلة اهتمام بالحبيب، ولكن سرعان ما سيكتشّف أنّ في قلمها بحراً من الغيرة وموجاً من الحنين، عبّرت عنه في اكثر من قصيدة: «أغار من حياءٍ يعتريك ويغمر وجنتيك، أغار من كلماتٍ تتلعثم فوق شفتيك... وأحسد ذاك الصمت الهادر في عينيك... كم هو قريب منك وأنا البعيدة...».

بين «القليل» و»التفاصيل»... الكثير وسط ذروة انغماسها بما تكتبه وفي عمق ذوبانها بما يخالجها، لا تغض الطرفَ د. النخل في كتاباتها عن أدق التفاصيل، فهي تؤمن «أنّ ما يستوطن الذاكرة ويبقى للأبد هو تلك التفاصيل والجزئيات». فكتبت متنقّلة بين وخز لحية الحبيب، وفيء أنامله ورذاذ عطره: «نحمل في ذكرياتنا معاً عطر القهوة في المقهى القريب... تودعني عيناك بسؤال، لا تعرف عينايَ بما تجيب... وأخبّئ من ضحكتِك ومن وخزِ لحيتِكَ لحنَ لقائنا الدافئ زادَ المسافر وقد آساه المغيب». وكتبت أيضاً: «خُصلة شعرٍ أهيم في رحيقها... وأهفو إلى حناياها أنهلُ الحنين... وتلك الخطوط في محياك اكتب بين طياتها وعند ثناياها خفايا جنوني». وفيما تبدو الشاعرة كفراشة تتنقل بين قصائد ازهار حديقتها، تلك الحبيبة المكتفية بـ»القليل»، «لو نهرب قليلاً»، «لو ترتمي فوق ثغري قليلاً»، يتبيّن أنّ في هذا القليل الكثيرَ من الجنون والعطش القديم وحنيناً قد لا يُشبعه حتى الكثير إنما يكتفي بهذا القليل متى كان صادقاً صِدقَ ناسك. وعن ذاك القليل كتبت النخل: «لو ترتمي فوق ثغري قليلاً نذوب في إغفاءةٍ... حملتني شفتاكَ تَرنيمة ناسكٍ تعمَّد من قبلة... فصَلَّى». وتنهي النخل عصارة إصدارها المكوّن من 149 صفحة حب، بحلم «أن أُسجَن في كلمةٍ لديك... لا سبيل فيها لإخلاء سبيل».