ليست العقوبات الأميركية على إيران أمراً جديداً، ولا حتّى الشعارات الأميركية، لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة وتطويقه، جديدة. لطالما ارتكز الأميركيون على خطاب مرتفع النبرة وتصعيدي تجاه إيران، وصل إلى حدود التهديد بتنفيذ عمليات عسكرية. لكنّها كلّها كانت في سياق الاستعراض الإعلامي، يقابلها استعراض إيراني، عبر التهديدات أو استعراض قوة القوى الحليفة لإيران. التوقيع على الاتفاق النووي في العام 2015، كان أبرز المؤشرات على الغاية الأميركية من العقوبات على إيران. والتصعيد يهدف دوماً إلى التفاوض والوصول إلى اتفاق سياسي.

الشعار والقدرة

لن تكون العقوبات الأميركية على الحرس الثوري مؤثّرة بالمعنى الجدّي للكلمة. فأساساً القرار ليس جديداً، ومنذ سبع سنوات، تحظر أميركا التعامل مع الحرس الثوري. الجديد فقط هو إدراجه على لائحة الإرهاب أو تصنيفه منظمة إرهابية، لكن بلا أي مفاعيل لهذا القرار، خصوصاً أن كل القطع العسكرية التابعة للحرس أدرجت سابقاً على لائحة الإرهاب والعقوبات. ما تريد واشنطن التأكيد عليه، من خلال هذه الخطوة، هو القول إن عقوباتها على طهران مستمرة إلى حدّ بعيد وغير متوقع، وبأن كل المحرمات الأميركية سقطت في إطار هذه المواجهة. لكن الأكيد أن العقوبات المالية والاقتصادية، لا تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، ولا إلى قضم نفوذه في المنطقة، بمعزل عن كل الآراء الحماسية أو الحامية.

تدخل واشنطن في هذا التصعيد ضد الإيرانيين، تحت شعار أساسي هو مواجهة نفوذ إيران في المنطقة، وتطويقها، بينما السؤال الفعلي الذي يطرح هنا، هو كيف ستتم ترجمة هذه العقوبات ميدانياً على الأرض، في ظل التأكيدات بأن الأميركيين لا يريدون ترجمة عملية لهذا القرار. أي لا يريدون الدخول في معركة عسكرية، لتنفيذ هذه الشعارات، إنما يعتمدون على العقوبات لتحقيقها. في المقابل، لدى الإيراني تفسير آخر يعتبر فيه أن واشنطن لجأت إلى هذه الإجراءات بسبب عدم القدرة على تحجيم نفوذ إيران في الميدان.

انزعاج بومبيو وحزب الله
وهذا يمكن الإستدلال عليه بنموذج حزب الله في لبنان، والذي حقق سياسياً ما كان يعتبره البعض أنه مستحيل. اليوم، وحسب التقديرات الأميركية، والكلام الذي قاله وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، فإن حزب الله يمثل بالنسبة إلى الأميركيين القوة الأساسية في لبنان. فلم يعد هناك قدرة للتمييز بين الحزب والدولة، مع تعهّد بفرض عقوبات على كل المتعاملين أو الداعمين للحزب، وهذا الكلام يؤشر إلى حجم انزعاج بومبيو من نتائج زيارته إلى لبنان.

ما قبل حصول التسويات السياسية في لبنان، والتي صبّت في صالح حزب الله بشكل صرف، وجدت القوى المناهضة للحزب والمدعومة أميركياً الطريق مسدوداً أمامها في مواجهة الحزب. لا، بل عزز الحزب وضعه أكثر. واستطاع استقطاب القوى المعارضة له بجعلها بحاجة ماسة ودائمة إليه للفوز بالسلطة. كرست تلك التسويات مبدأ عدم قدرة أي طرف على مواجهة الحزب. ومعها، تولدت وجهة نظر دولية واقليمية جديدة حيال التعاطي مع لبنان، ترتكز على عدم الاقدام على أي خطوة تتعلق بمواجهة الحزب، وتركه يسيطر بشكل كامل من دون أي ردّ فعل، طالما أنها لن تكون قادرة على الانتصار. فمثلاً في الانتخابات النيابية الأخيرة، وقبلها عند إقرار قانون الانتخاب، كان واضحاً بأن النتيجة النهائية ستصب في صالح الحزب، وعرف باكراً أنه سيحقق انتصاراً ساحقاً، فلم يكن هناك أي استعداد دولي أو إقليمي للمساعدة، وحتى أن الأفرقاء الذين ترشّحوا ضد الحزب لم يحصلوا على الدعم كما حدث في العام 2009. والأمر نفسه تكرر في عملية تشكيل الحكومة، التي تألفت وفق رؤية حزب الله.

الطريقة الفرنسية

تقود هذه القراءة إلى احتمال من إثنين، إما الوصول إلى الخلاصة الأميركية، التي تجلّت على لسان المسؤولين مؤخراً، أن لا مجال للتمييز بين لبنان وحزب الله، ما قد يؤدي إلى فرض عقوبات على الطرفين معاً، أو إذا ما فرضت العقوبات على طرف فإن الطرف الآخر سيتأثر. أو أن المجتمع الدولي يريد التعامل مع القوة الواقعية والقادرة على التحكم بالقرارات وبمفاصل الأمور والتطورات. وبهذه الحال، سيكون حزب الله هو الجهة المعنية والمخولة بلعب هذا الدور. لكن بالتأكيد بعد حصول ترتيب لهذه العلاقة وطبيعتها.

فرنسا مثلاً كانت أبرز الدول التي اتخذت خياراً بتطبيع العلاقة مع الحزب وتعزيزها، بالإضافة إلى موقفها المتمايز عن الأميركيين بشأن العلاقة مع إيران. ولعبت فرنسا أدواراً عديدة في تعزيز التسويات اللبنانية، وإن كانت تصب في مصلحة الحزب السياسية. وآخر المواقف الفرنسية يتجلى في عدم الموافقة على إدراج حزب الله بشقيه السياسي والعسكري على لائحة الإرهاب، وفي رفض تصنيف الحرس الثوري إرهابياً. قد يذهب الأميركيون في النهاية إلى ما يشبه الموقف الفرنسي، ولكن بعد تحقيق بعض الشروط على طاولة المفاوضات مع إيران. فكل الضغوط الممارسة من قبلهم على طهران اليوم تهدف إلى الجلوس على طاولة المفاوضات.

طريق عُمان 

وما يجري في لبنان، أيضاً سيتكرر في سوريا، خصوصاً لجهة حماية الحدود الجنوبية، وتوفير أمن إسرائيل. وتزامناً، برز موقف لافت لوزير خارجية عُمان حول حق إسرائيل بالسلام والأمن. وهذا يذكر باستقبال السلطان قابوس لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبعده لقاء بين وزير خارجية عمان ووزير خارجية إيران. وهذا قد يمهد الطريق أمام مفاوضات جدية وجديدة إيرانية - أميركية بشكل مباشر، ستكون إسرائيل حاضرة فيها بشكل غير مباشر. وإذا ما حصل ذلك، فبلا شك سيحدث تفاهم أميركي إيراني بشأن الأوضاع في المنطقة.

ولكن إلى حين الوصول إلى تلك المفاوضات، فإن التصعيد سيستمر في المنطقة، والتهديدات الإيرانية بالردّ على الإجراءات الأميركية تتوالى، ما يعني أن إيران تتضرر من العقوبات والإجراءات، وتبحث عن سبيل للتخلص منها. فاشتداد الأزمة وتصعيدها سيتنامى أكثر في الأسابيع المقبلة، وبالأخص في الأسبوع الأول من أيار، ما قد يفتح احتمالات متعددة للتصعيد الهادف أيضاً للجلوس إلى طاولة التفاوض.

نقطة تقاطع

مرّت الحملات التصعيدية الإيرانية الأميركية في مراحل حرجة عديدة. فمثلاً، خلال الحرب العراقية الإيرانية، تم إسقاط طائرة للإيرانيين من قبل الأميركيين فوق مضيق هرمز، فكان الرد الإيراني بإسقاط طائرة أميركية في منطقة أخرى. ولم يؤد ذلك إلى حرب مفتوحة. كذلك بالنسبة إلى التهديدات بإقفال مضيق هرمز. لا يجد أي طرف مصلحة في التصعيد العسكري، إلا إذا ما لجأ الإيرانيون إلى تنفيذ عمليات لقيطة ضد القوات الأميركية في سوريا أو العراق، بهدف تخفيف الضغط.

والتصعيد بدوره ينعكس على حزب الله، الذي يستبعد أيضاً فرضية الحرب، لكنه يستعد لها. ليس لدى الحزب تقديرات باحتمال وقوع حرب، ولكن هناك تخوف من حدث ما قد يؤدي إلى الإنفجار. لذلك، يعمل الحزب على اتخاذ إجراءاته ووضع خططه كإخلاء بعض الأماكن، وإجراء مناورات مكشوفة للإسرائيليين، بغية ردعهم. ولكن بعد كل تصعيد، هناك تفاوض. ملامح هذا التفاوض بدأت في سوريا وستتعمّق أكثر مستقبلاً، باستكمال تسليم رفات الجنود الإسرائيليين لإسرائيل. وهذا يدلّ على ملامح صفقة بدأت تتمظهر، بين الروس والإسرائيليين والإيرانيين، الذي يتلاقون على نقطة تقاطع أساسية عنوانها بقاء الأسد، بينما التفاصيل الأخرى متروكة لـ"الكباش" المستمرّ بانتظار تبلور أفق النقاش وموازينه.