يواكب رئيس الجمهورية ميشال عون عن قرب، ورشة مكافحة الفساد داخل أروقة القضاء. الشعار المرفوع في القصر الجمهوري «لا أحد خارج المساءلة». لذلك، لا تجد كثيراً من «البكائيات» التي يسمعها عون في مكتبه من قضاة يشكون «استهدافهم»، ومن خلفهم «استهداف العهد»، أيّ تجاوب. وادّعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بيتر جرمانوس أمس على «شعبة المعلومات» «بجرائم تسريب وتحوير تحقيقات أوليّة وتشويه وقائع واحتجاز أشخاص قيد التوقيف خارج المهل القانونيّة، والتمرّد على سلطته كضابطة عدليّة»، لم يكن سوى جزء من صورة مكتملة «الداتا» لدى رئيس الجمهورية «المُرتاح الى وضعه»: «لا غطاء على رأس أي قاض!»
 

تظهر «الهوية» السياسية لبعض القضاة الموقوفين الذين أحيلوا الى المجلس التأديبي، أو من شطِبوا من جدول المناوبة، أو حتى من يخضعون حالياً للتحقيق في التفتيش القضائي... أنّ الغطاء السياسي الذي طالما توافر للقضاة، تحديداً أولئك من أصحاب الشبهات، بدأ يرفع تدريجاً من دون معرفة المدى الذي ستذهب اليه التحقيقات في كشف الرؤوس الكبيرة الفاسدة داخل السلك القضائي ومحاسبتها، طالما انّ الاتصالات الهاتفية، «السياسية» والحزبية، لا تزال «شغّالة» في كثير من حالات التحقيق والتوقيف!.

غبار كثيف يحوط بورشة «تنظيف» القضاء دَخلت على خطها أخيراً عوامل زادتها تعقيداً تمثّلت بالنزاع الخفي بين «لوبي» قضائي وأجهزة أمنية، وحروب باتت معلنة بين القضاة أنفسهم، وأحاديث متكرّرة عن منظومة قضائية - أمنية محسوبة على العهد تتعرّض للاستهداف بفعل الملفات المفتوحة... وصل الأمر الى حدّ سقوط كل المحاذير بحصول كباش غير مسبوق بين القاضي جرمانوس، ومن خلفه بعض القضاة، و«شعبة المعلومات»، لم يجد مفوّض الحكومة «الغطاء» الصريح له من «مرجعيته السياسية»، لأنّ القاعدة المعتمدة: «لا قضاة للعهد ولا تبنّي لـ«معارك» أحد... بل المعيار هو قاضٍ فاسد وقاضٍ نزيه، والتجاوزات في حق القضاء مرفوضة، وإن حصلت يجب تصحيح الخلل».

هكذا تبدو الأمور في قصر بعبدا أوضح بكثير في ظل حالة استنفار غير مرئية لملاحقة الفاسدين. لا يكاد يمضي يوم إلّا ويتواصل عون مع المعنيين في ملف الفساد القضائي. يقول قريبون منه: «هناك قضاة أوقفوا وقضاة شطبوا من جدول المناوبة، وآخرون يخضعون للتحقيق. لن يسعدنا يوماً أن نرى قاضياً وراء القضبان، ولكن لن نحول دون هذا، مهما كان، إن استأهل العقاب».

يضيف هؤلاء: «الرئيس ساهر ويواكب عن كثب من خلال اجتماعات مع القضاة المعنيين بالتحقيقات الجزائية او المسلكية، مع الحرص على ان يكون الشق الأمني فيها في خدمة القضاء، وليس العكس، من دون أن يعني ذلك انّ القضاء جزيرة معزولة، لا يمكن أحد ولوجها لاكتشاف أسباب الخلل فيها والمسببين به».

الرئيس «غير مستهدف»

في هذا السياق، يبدو ردّ رئيس الجمهورية واضحاً ومباشراً على ما يتعرّض له العهد، مع انطلاق ورشة مكافحة «الفساد القضائي»، من استهدافات يُروَّج لها في انتظام داخل أروقة القضاء وفي الكواليس السياسية. فيما بَدا لافتاً عدم مسارعة أي من القريبين من عون أو قيادة «التيار الوطني الحر» الى «أخذ طرف» الى جانب القاضي جرمانوس، في مواجهة «المعلومات»، مع العلم أنّ الأخير مُصنّف، بالسياسة، «من ضمن عدّة شغل العهد».

وفي هذا السياق، تقول مصادر رئاسة الجمهورية انّ «كل كلام عن أنّ منظومات قضائية للعهد مستهدفة هو خارج الاطار الصحيح، لأن لا منظومات قضائية أصلاً لهذا العهد. الرئيس لا يشعر بالاستهداف ولا يغطي أحداً، إذا ما تمّ التقيّد بأصول التفتيش والملاحقة القضائية للقضاة، وعدم التشهير بهم إعلامياً، خصوصاً انّ الإدانة الجزائية لم تحصل بعد، والمسلكية تكتنفها السرية التامة».

وتجزم المصادر بأنّ «عون لا يفرّق بين جهاز أمني وآخر، وما يهمه هو تقيّد الاجهزة بأصول التحقيق الاستنطاقي عندما تعمل ضابطة عدلية بأمرة القضاء ومواكبته».

«نَقّ» في القصر

ومع انطلاق ورشة مكافحة الفساد في قصور العدل، وَصل هلع بعض القضاة و«نَقّهم» الى أبواب القصر الجمهوري. شكاوى، وهواجس من استهداف، ومطالبات بكَف يَد «شعبة المعلومات» عن التحقيقات الجارية، «بسبب تجاوز صلاحياتها». وَصل الأمر الى حدّ اتهام المدعي العام لجبل لبنان القاضية غادة عون بالتواطؤ مع «المعلومات» ضد بعض القضاة!

في قصر بعبدا لا تحسّس من عمل الأجهزة على خط الفساد، وتحديداً «شعبة المعلومات». «إرتياح قاض ما الى التعاون مع جهاز معيّن لا يهمّنا، مع العلم انّ الجهاز المهيّأ طبيعياً، وبحكم وظيفته لمكافحة الفساد ورصد أوكاره وإنجاز الملفات الموثّقة في شأنه هو أمن الدولة. مع ذلك، نحن لا نخوض معركة أي قاضٍ أو رئيس جهاز».

ويذهب الأمر الى حدّ التأكيد أنّ «كل كلام عن استهداف متعمّد لِما يقال إنه منظومات، محسوبة على العهد، أو تدجين بعضها، او ابتزاز العهد هو غير صحيح، مع الحرص طبعاً من جانب عون ووزارة شؤون رئاسة الجمهورية على عدم سيطرة الامن على القضاء. فكل تجاوز نحن نعالجه، بواسطة وزير العدل، او مباشرة إن اقتضى الأمر بمعرفة الوزير».

لا تجاوزات في «المعلومات»

أمّا الموقف في بعبدا من عمل «شعبة المعلومات» فلا يحتمل اللُبس: «الشعبة» أنجزت وتنجز، وان ثبت تجاوزها الحدود، فرئيس الجمهورية يتدخل، بدليل أنه لم يتوان أصلاً عن سؤال رئيس «شعبة المعلومات» العميد خالد حمود والمدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء عماد عثمان عن أسباب تجاوز مدة توقيف بعض الموقوفين، وعن مسار التحقيق بإشراف النيابة العامة المختصّة وأتت الأجوبة مقنعة الى حينه».

وفريق عمل عون غير البعيد عن «أورشليم» بلغته أصداء «استنفار» بعض القضاة مع توقيف سماسرة ومساعدين قريبين منهم. ومع تعميم هؤلاء أجواء تفيد عن احتمال ضغط «المعلومات» على السماسرة لانتزاع الأقوال بالقوة، تؤكد مصادر هذا الفريق أنّ «إجراء تحقيقات تحت التعذيب المعنوي او الجسدي، لدى أي جهاز، لاسيما «المعلومات»، هو غير مرتكز الى أي واقع، بدليل انّ عون سأل وأتته الاجوبة الموثقة من النيابة العامة التمييزية، والمقترنة بتقارير طبية حاسمة».

إذاً، هناك تفهّم رئاسي لهذه الهواجس من دون أن نفرمل، وفق مصادر رئاسة الجمهورية، لا التفتيش القضائي ولا التحقيق الجزائي، لأنّ الهمّ يبقى ان تكون اليد التي ستتولى مكافحة الفساد في المراحل الاخيرة، والمقصود القضاء، يداً نظيفة وحيادية ومتحرّرة من التجاذبات السياسية».

وتضيف: «تحسّس قاض مرتكب لا يعنينا ولا نغطّيه، من دون أن يعني ذلك التخلي عن المواكبة اليومية والحرص الشديد على الحدود والضمانات، كما هو الحرص على رفع الحصانات أمام المساءلة القضائية».

إنتظروا «التشكيلات»!

وبالتالي، يرى عون نفسه «خارج دائرة الاستهداف تماماً، ومن أي جهة». أمّا القريبون منه فيوجّهون رسالة بالغة الوضوح الى من يعنيهم الأمر: «فليطمئن الجميع، ولاسيما منهم الذين يعتبرون أنفسهم عن غير وجه حق، أنهم يختزلون بأشخاصهم الضمانات السياسية للعهد، أو الأهم القابعين في الخنادق الامامية لحمايته، سواء كانوا قضاة او أمنيين. إطمئنوا، «نحن مش هيك منشوفها»، والرئيس في مكان آخر تماماً. وفي مطلق الحالات، فلينتظر الجميع التشكيلات القضائية المرتقبة سواء في الاماكن التي شَغرت، أو سواها...»!

وثمّة اقتناع في القصر الجمهوري اليوم أنّ «تركيبة» التشكيلات والمناقلات القضائية عام 2017، والتي اعتمدت مبدأ المداورة وضَخ دم جديد من القضاة الشباب في القضاء الجزائي والعدلي والاداري، لا تزال «ماسكة وواقفة على رجليها».

هناك 4 قضاة حتى الآن تمّ توقيفهم عن العمل، في «ملف السماسرة والمساعدين القضائيين»، وأحيلوا الى المجلس التأديبي، والعملية مستمرة، وهناك قضاة يخضعون للمساءلة المسلكية أو الجزائية. مع الحرص على ان ينقّي القضاء نفسه مسلكياً من دون أن يعني ذلك الافلات من الجرم الجزائي عند ثبوته».

«حروب القضاة»

وحين نتحدّث عن «حروب القضاة»، لا يمكن تجاهل ما تتعرّض له القاضية عون من ضغوط وصلت الى حدّ اتهامها بـ«التواطؤ» مع «شعبة المعلومات» وتصفية الحساب مع بعض القضاة.

في قصر بعبدا ثمّة تسليم، وبالنظر الى الملفات الحسّاسة التي تتولاها القاضية عون، «بأنه من الطبيعي ان تكون الانظار موجّهة إليها بشيء من الريبة والخشية، إلا أنه يبقى انها تعمل بجو غير تصادمي على الاطلاق مع النائب العام التمييزي، على ما نعلم، أو مع الوزير السياسي (وزير العدل) أو مجلس القضاء الأعلى او رئاسة هيئة التفتيش.

فمثلاً، حين تقرّر أن تشطب قاض من جدول المناوبة، بصفتها رئيسة الدائرة القضائية للنيابة العامة في جبل لبنان، فهذا أمر يدخل ضمن اختصاصها، وعليها أن تُبلّغه الى رؤسائها التسلسليين، وهذا ما تفعله. كما أنها أول من أعطت إشارة قضائية للتحقيق مع سائقها ثم توقيفه».

ويعبّر رئيس الجمهورية عن انزعاجه من حملات التشهير التي تلحق ببعض القضاة أو الرهان مسبقاً على مصيرهم، في ظل تأكيد رئاسي «أنّ قرينة البراءة تظلّلهم».

وفي الوقت نفسه تجزم أوساطه «أنّ اي مناخ توجّسي بين المساعدين القضائيين او القضاة، هو جَو غير سليم يقوّض سلطة القضاء وضمانات القضاة والمتقاضين، ولا يفيد في شيء».