لم يكن اللبنانيون ينتظرون التصريحات النارية لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في وزارة الخارجية، ليدركوا أن بلدهم دخل في دوامة العقوبات الاقتصادية الأميركية والغربية ضد إيران وحزب الله، من دون أن تكون دولتهم مستعدة لمواجهة تداعيات هذا الواقع المرير، بل وسط تجاهل شبه كامل من كبار المسؤولين لمخاطر هذه المواجهة غير المسبوقة في تاريخ لبنان. ولم يعد سراً ان واشنطن، ومعها العديد من عواصم القرار الأوروبية، يعتبرون أن لبنان يقع حالياً في دائرة النفوذ الإيرانية، من خلال سيطرة حزب الله على القرار السياسي، إثر الانتخابات الأخيرة، التي جرت بموجب قانون اعتمد النسبية بشكل ملتبس، وأفسح المجال لفوز الحزب وحلفائه بالأكثرية في مجلس النواب، وفي المقاعد الوزارية في الحكومة الحالية. وبكلام آخر لم يعد الحزب يكتفي بالهيمنة على اللعبة السياسية، والتفرّد بقرارات الحرب والسلم، والخروج على سياسة النأي بالنفس بقوة السلاح، حيث شارك مقاتلوه في حروب سوريا والعراق واليمن، بل أصبح للحزب وضع شرعي و«دستوري»، ينطلق من تمثيله لشريحة كبيرة من اللبنانيين، ضمن بيئته، فضلاً عن تحالفه مع رئيس الجمهورية، وتياره المسيحي الأكبر حالياً، إلى جانب علاقات تحالفية مع قوى أخرى، مسيحية وإسلامية، مكّنته من الإمساك بدفة السلطة، والتلاعب بتوازناتها وفق ما يتناسب مع سياساته الداخلية، والتزاماته الإقليمية مع المحور الإيراني. ولكن أين كانت واشنطن وحلفائها إبان أزمة الفراغ الرئاسي، ثم التسوية السياسية التي أنتجت القانون الانتخابي المفصّل على مقاس حزب الله، لتمكينه من الحصول على الأكثرية النيابية الجديدة؟ يعتبر ديبلوماسي أوروبي متابع بدقة للوضع اللبناني، أنه بغض النظر عن حالة الوهن والتضعضع التي أصابت قوى «١٤ آذار» في السنوات القليلة الماضية، فإن هذه القوى لم تتمكن من كبح جماح الحزب عندما كانت تسيطر على الأكثرية النيابية والحكومية، وفشلت في التوصل إلى «سياسة دفاعية» تُعيد القرار العسكري للشرعية، كما لم تتمكن من منع حزب الله من الذهاب للقتال في سوريا وبلدان أخرى، ضارباً بذلك سياسة النأي بالنفس، التي أقرتها الحكومة بحضور وزرائه. في تلك الفترة كان الحزب يُهيمن على القرار الرسمي من وراء الستار، رغم أن الأكثرية كانت لخصومه في قوى «١٤ آذار»، أي أنه يحكم البلد من دون أن يتحمّل مسؤولية السلطة، وتداعيات قراراته على الوضع الداخلي اللبناني، الأمر الذي أحبط كل استراتيجيات ثورة الأرز، وأدّى إلى تراجع نفوذها في الدولة، ولدى جمهورها، وانعكس سلباً على العلاقات التحالفية بين أطرافها الرئيسة.  ويتابع الديبلوماسي الأوروبي وكأنه يقرأ في كتاب: لعل هذا الواقع، كان في خلفية توجهات أصحاب القرار في واشنطن وعواصم غربية أخرى، الرامية إلى إفساح المجال لحزب الله للتقدم مباشرة إلى المنصّات العلنية للسلطة، واستدراجه لتحمّل المسؤولية المباشرة لما ستؤول إليه الأوضاع في لبنان، نتيجة العقوبات الاقتصادية، وتشديد تدابير الحصار الاقتصادي والمالي الذي سيتعرّض له لبنان، في خضم العقوبات الجديدة ضد إيران.  ويختم مختصراً الاستنتاجات والنتائج: كلام بومبيو المباشر والقوي في الخارجية اللبنانية كان معداً سلفاً، وهو التصريح الوحيد الذي كان مكتوباً بعناية، طوال زيارته إلى لبنان، ويمكن استخلاص فحواه بكلمات قليلة: هيمنة حزب الله على السلطة تحوّلت إلى كرة نار بين يديه بعد العقوبات الأخيرة، التي من المفترض أن نتائجها ستؤدي إلى تغييرات مهمة في المعادلات الراهنة في لبنان والإقليم!