مئة يوم، هذه هي الفرصة، وقد تكون الأخيرة. بل هي الأخيرة على ما يبدو. لكن مرتا تصرُّ على أن تبحث في أمور كثيرة، مع انّها تعلم أن المطلوب واحد. والمطلوب انتشال لبنان من رجمة المآزق المكدَّسة التي تحاصره من زمان. والمشكلة، هنا، إن الإنجازات المطلوبة لا تزال في خبر كان. فالشلل مواظب على زياراته، وحريص على انتشاره. ما داموا لا يرشقونه بغير التشجيع والمؤازرة.

أمّا عن الإهمال، فليس من الضروري أن تسألي عن الإهمال، فهو في الذروة. ويتعزَّز مدعوماً بكل الوسائل التي تجعل لبنان يرزح تحت كل الاحتمالات الخطيرة. فالوضع يا مرتا ليس على ما يرام كما يتراءى لك، أو كما تتوهّمين. فالباقي كلام بكلام كما يعلم القاصي والداني.

نعم، صحيح أن الوعود بالدزّينات، غير أن لا أثر للإنجازات في مكان، وعلى أي مستوى. وها هي الكهرباء تشهد يوميّاً. وها هو التسيُّب يفرش نفوذه وأفعاله. أمّا الفلتان فمن رؤوس الجبال والقمم، إلى الشواطئ، ومجاري الأنهر، وتلال الزبالة التي تنشر “عطرها” في الأُمسيات على مختلف الأنحاء. والناس ملَّت من الإغاثات والشكاوى ويئست…

عند المراجعة والشكوى والتظلُّم، تحضر الوعود: على الرأس، ومن هذه العين قبل أختها. والكلام يظلُّ كلاماً. وأريج الزبالة يزداد بتوسيع نطاق عطرها.

لكن موعد الامتحان الكبير، والمصيري تقريباً، لم يعد بعيداً. فترة السماح، أو فترة المئة يوم، تكاد تنتهي لتبدأ مهلة المحاسبة عن الانجازات، وهي كثيرة ومطلوبة بدقّة تامّة من “سيدر”، والبنك الدولي الذي أوفد إلى الديار اللبنانيّة شلّة من الخبراء صدمها الوضع بقوّة، وعادت إلى مسؤولي البنك حاملة الخيبة وعناوين التقصير.

لا مفاجأة في هذا كلّه، فالواقع اللبناني يقول بالأدلّة الثبوتيّة المُنتشرة والمُعلنة إنّ الإهمال والتسيُّب باديان للعيان، من دون بذل أيّة جهود ولا تسمع إلّا الشكاوى: بلد متروك بكل معنى الكلمة. وسائب. ودكاكين. وكل مين إيدو إلو. ولا أثر للدولة. لدولة المؤسَّسات. دولة القانون. دول المحاسبة والمكافأة. دولة الإصلاح في مختلف الحقول والمسؤوليّات.

حتّى في زمن الحروب التي استمرّت 15 سنة، بقي شيء من الدولة، ومن القانون. وبقيت المؤسَّسات ولو على الهامش…

لقد تكاثرت الهموم والشكاوى. وهو أن يستعدّ اللبنانيّون لاستقبال مرحلة جديدة، مغرية، مشجِّعة، تَعِدُ بتغيُّرات أساسيَّة، ها هم يفيض قلقهم من هذا الوضع الذي أضاف إلى همومهم هموماً…

بصراحة ووضوح، وإلى المعنيّين جميعهم: المطلوب انتشال لبنان من المآزق المتعدِّدة التي تحاصره من كل حدب وصوب. فالأصدقاء والغيارى والمتبرِّعون بحماسة صدمهم واقع الحال. وصدمتهم الحروب السياسيَّة على المنافع والمصالح. وموقف الأشقّاء العرب قد تغيَّر، وخصوصاً بالنسبة إلى أولئك الذين كانوا يهرعون لإحاطة لبنان بعناية فائقة إذا ما دهمته دهياء.

فترة السماح دوليّاً وعربيّاً تكاد تنتهي، فانتهبوا. مئة يوم!