لم يمارس دونالد ترامب يوما دوره كرئيس للولايات المتحدة. استمرّ الرجل يمارس دوره كمرشح للولاية الثانية في رئاسة الولايات المتحدة.
 

استفاقت الولايات المتحدة في اليوم التالي للانتخابات الرئاسية التي جرت في 8 نوفمبر 2016 لتكتشف مفاجأة انتخاب دونالد ترامب رئيسا. أخفقت كافة استطلاعات الرأي في استشراف الأمر قبل ذلك، فيما أجمعت النخب الأميركية -قبل أيام فقط- على أنه مهما صال ترامب وجال فإن هيلاري كلينتون هي التي ستدخل البيت الأبيض لأربع سنوات متتالية.

خرج رجل العقارات الكبير متأبطا سيف السياسة من بابها الأعلى. لم يعرفه الأميركيون قبل ذلك عمدة لمدينة أو برلمانيا في مجلس النواب أو شيخا من شيوخ الكونغرس. انتقل ترامب من اللاشيء في السياسة، إلى أن يكون الرئيس الـ45 للولايات المتحدة. لم يكن ترامب خيار الحزب الجمهوري، بل إنه فرض نفسه على هذا الحزب مزيحا من طريقه كافة مرشحي الحزب الواحد تلو الآخر.

ولم يكن ترامب مرشح “الدولة العميقة” في الولايات المتحدة، ذلك أن لتقاليد السلطة في الولايات المتحدة أصولا وقواعد تتقاطع داخلها مصالح وأجندات ولوبيات، فيما يأتي ترامب نافرا، ويتقدم إلى البيت بصفته نشازا على العزف التقليدي المتعارف عليه.

لم يلتفت دونالد ترامب كثيرا إلى دفتر شروط تقليدي للفوز برئاسة الولايات المتحدة. هو نفسه لم يكن مؤمنا بأنه سيحصد هذا الموقع، وبدا الحدث بالنسبة له على شكل مغامرة يتسلى بها دون أي مخاطر كبرى. فالرجل يفدُ من اللاشيء في السياسة وأكثر ما يمكن أن يخاطر به في حال الخسارة هو العودة إلى موقع اللاشيء في السياسة. وعلى ذلك أباح ترامب لنفسه الغرفَ من اللامعقول علّ في ذلك ما يمكن أن يحقق إنجازا خارجا عن المعقول.

نال ترامب في حملته الانتخابية من النساء. سخر من أصحاب العاهات. شتم المهاجرين وشنّ هجوما على المسلمين ونظم قصائد الهجاء في العرب، حلفاء وخصوم. تحدث بعنصرية دون خجل. وعد بجدران تحمي الولايات المتحدة، وبأسوار تردُّ العولمة وتقذف بتجارة العالم عن بلاده. نفخ بطبقة الأغنياء ونفخ بشرائح الفقراء والمعدمين. تعامل مع أمر الانتخابات ليس بصفتها موعدا ديمقراطيا تعلن فيه الأمة خياراتها، بل بصفتها صفقة تجارية يجب أن تكون مربحة تعوز إبرامها ماكيافيلية لا أخلاقية يجوز داخلها ممارسة العمل المشين والقول المهين.

لم يمارس الرئيس دونالد ترامب يوما دوره كرئيس للولايات المتحدة. استمرّ الرجل، ومنذ اليوم الأول لدخوله البيت الأبيض وحتى الآن، يمارس دوره كمرشح للولاية الثانية في رئاسة الولايات المتحدة. استمر في قيادة بلاده/ حملته من خلال تويتر، يعيّن هذا ويقيل ذلك ويهجو ذاك. أقفل حدود بلاده أمام مواطني عدد من الدول الإسلامية. أمر بتفريق أطفال المهاجرين عن أهلهم، قبل أن يتراجع عن ذلك.

أطلق حروبا سياسية دولية متعددة لا تفرّق بين حلفاء تاريخيين وخصوم استراتيجيين. دخل في صدام مع الحلف الأطلسي وأطلق حربا تجارية ضد الاتحاد الأوروبي على منوال تلك التي وجهها باتجاه الصين. أصبح صديقا لزعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، معوّلا على إسكات أخطاره النووية، وبات مجاهرا بإعجابه بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، متقاسما وإياه في هلسنكي أسرارا لم يفصح عنها ولم يكشفها أمام مؤسسات الولايات المتحدة الدستورية.

هو الرجل الذي لا يقهر. مالئ الدنيا وشاغل الناس. مارس ردحا مجنونا ضد كل خصومه، الديمقراطيين طبعا، لكن أيضا ضد رجال الصحافة ومؤسسات الإعلام ودوائر الدولة التي ألقت شكوكا حول نزاهة انتخابه مشتبهة بتواطؤ تآمري جرى بين ترامب وروسيا.

ذهب الرجل في حربه إلى إقالة وزير العدل ونائبه السابقيْن وتعيين وزير جديد ونائب له. أقال مدير الـ”أف.بي.آي” جيمس كومي الذي كان يحقق في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية، ولم يوفر المحقق الخاص روبرت مولر من نار هجماته المنتقدة لأعماله في الكشف عن تورط ترامب أو دوائره في علاقة مع دوائر روسية عبثت بالانتخابات ضد كلينتون لصالح ترامب. كان من شأن كل تصرف أن يؤدي إلى فضيحة، وأن تعمّق كل إدانة من قبله ضد التحقيق والمحققين الاتهامات ضده. ومع ذلك انتصر الرجل الذي لا يُقهر، ولم يستطع المحقق مولر أن يجد براهين بإمكانها إدانته.

مع هذا الرجل، أعدنا نحن اكتشاف الولايات المتحدة وتعقّد قوانينها الدستورية والقضائية. أمرُ الحكم في الولايات المتحدة هو شأن يهمُّ العالم أجمع، لكنه حدث يحدد مصائر كثيرة في منطقتنا. وعلى هذا فإن الاهتمام بقضية الرجل الذي لا يقهر، تتعلق بالنسبة لنا بمآلات كثيرة لبلدان كثيرة في المنطقة. فإذا ما استنتجنا أن آلة القضاء وشبكات الإعلام الكبرى ومنظومات الدولة العميقة في الولايات المتحدة تنحني أمام رياح دونالد ترامب، فإن العواصف التي ينفخها في الشرق الأوسط منذ عبوره عتبة البيت الأبيض قلبت قواعد لطالما حكمت المنطقة منذ عقود.

بمحبرة وقلم أطاح الرجل الذي لا يُقهر بمحرمات لطالما اتّسمت بها حكاية الصراع العربي الإسرائيلي. اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وأمر بنقل سفارة بلاده إليها. نفّذ ترامب بخبث قانونا أقرّه الكونغرس عام 1995 لكن الإدارات المتتالية لم تجعله نافذا. فعَّل ترامب بذلك قانونا أميركيا. اعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. لم يحتج إلى قانون أميركي قديم يستند عليه. سنّ قانونه الشخصي ليهبَ إسرائيل أراضي سورية محتلة لا يجوز ضمّها وفق القوانين الدولية. وعليه يتعايش ترامب مع ضجيج الرفض والإدانة الدوليين لأمر الاعترافيْن بأنه جزء مواكب وليس مناكفا لقرارات رجل البيت الأبيض القوي.

عوّل الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة كثيرا على تحقيقات مولر. العالم أيضا فعل ذلك لعل ثمرة أعمال المحقق الخاص تخلّص العالم من رئيس أميركي يعبث بالمنظومة الدولية برمتها، سواء تلك التي أرستها الحرب العالمية الثانية، أو تلك الذي خلُصت إليها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واندثار الحرب الباردة. حتى من يجد في هذا الرجل حليفا يحمل ماء إلى طواحينه، لا يؤمن بأنه يمثل الولايات المتحدة، ويعتبر أن انتظام الأمور في واشنطن يوما ما سيخمد هذا الضجيج ويعيد ضبط ذلك الهراء العظيم.

لم يقل مولر شيئا. لم يفسر تحقيقاته. قام بوظيفته. قدم تقريرا حِرَفيا يجرّده من أي رواية سياسوية. لا أدلة على أن ترامب اتّفق مع الروس على التآمر لانتخابه رئيسا للولايات المتحدة. على هذا، وبعد اعتراف ترامب نفسه بما خلصت إليه مؤسسات الأمن الأميركية من أن روسيا تدخلت فعلا في هذه الانتخابات، فإن موسكو تبرعت، بشكل مجاني، يكاد يكون خيريا، من أجل الدفع بانتخاب رجل دون أن تُعلمه بخيارها أو تُشركه بأمر ذلك. من الصعب تصديق الأمر. بيد أن أميركا صدقت براءة الرجل الذي لا يقهر وهي في طريقها لإقفال الملف.

سيبحث الخصوم داخل تقرير مولر عن شبهة تدخُّل من قبل ترامب لعرقلة التحقيق. الأرجح أنهم لن يجدوا شيئا. غير أن تدخلا قد يكون قد حدث فعلا من قبل جهات أخرى أقوى من الرئيس الذي لا يُقهر.

لم يحدْ ترامب يوما عن مصالح أصحاب المصالح الذين يتقاطعون داخل الدولة العميقة. أطلق تغريداته وتراجع عنها في كل مرة كان يَشعر (أو يتم إشعاره) بأن الأمر يمسّ محرمات وينال من ثوابت. فإذا ما جمعنا لوبيات إسرائيل ورجال المال والصناعات الكبرى، ولاسيما تلك العسكرية، فإن ترامب لم يكن يوما إلا خادما أمينا لها لا يتمرد على أجنداتها.

قد نعرف يوما هوية تلك اليد الخفية التي أدلت بدلوها وفرّغت تقرير مولر ومهدت الطريق من جديد من أجل أن يفوز الرجل الذي لا يُقهر بولاية ثانية يترأس خلالها الولايات المتحدة حتى عام 2024.

تُرى ما الذي سيفعله هذا الرجل بالعالم حتى ذلك الحين؟