في كل مرة يهاجم فيها إرهابي غربي مسلمين، سواء في مسجد أو خارجه، ننشغل في تصنيفه بين كافر أو صليبي، إرهابي أو مريض! مع طوفان لمشاعر الاضطهاد والظلم والاستهجان التي تنفجر وكأننا براء من مثل هذه الأعمال؛ متناسين أن من افتتح أبواب الرعب في مطلع الألفية الثالثة بأكبر هجوم إرهابي هم العرب المسلمون حين دمروا برجي التجارة العالميين في نيويورك وأسقطوا أكثر من ثلاثة آلاف ضحية، وباسم الإسلام! وأن معظم الجماهير العربية صفقت تشجيعا وإعجابا وأصبح أسامة بن لادن المثال الأعلى للبعض!!

لم يسأل المدافعون حينها عن الـ"لماذا" وما هي النتائج الممكنة؟ ومثل هذه العملية، مع عوامل أخرى بالطبع، هي من الآثار الجانبية للهجمات الدموية التي قامت بها الجماعات الإسلامية مصحوبة بـ "الله أكبر".

علينا قبل إدانة أفعال الآخرين أن نقوم بواجب إدانة العنف المعشش في بلادنا

لكن العنف والقتل أصبحا من ممارساتنا التي لا توفر أحدا؛ وعودة العنصرية الغربية ونهوض اليمين الفاشي والثنائيات: مسلم/مسيحي، أبيض/ملون، هي أيضا من الآثار الجانبية لملايين اللاجئين العرب الذين صدّرتهم الحروب المشتعلة والعنف الممارس من حكوماتهم نفسها.

وفي خضم شعورنا بالاضطهاد، ينسى البعض تفجير المسجدين في طرابلس (شمالي لبنان)، بأمر من قاتل معروف حر طليق! حكم غيابيا من محكمة لبنانية؛ ومع هذا بين ظهرانينا من يدافع عن مشغّله ويضغط للعودة إلى أحضانه ولو أدى ذلك إلى خراب لبنان! كما أننا لا نبعد أكثر من ساعتين بالسيارة حيث هدمت، فوق رؤوس من فيها، ليس المساجد فقط بل المدارس والمستشفيات والأفران؛ ناهيك عن البيوت والمدن والبلدات.

وعلى مسافة ساعة أو ساعتين بالطائرة فجرت كنائس أو هدمت على رأس من فيها واغتصبت نساء من جميع الأجناس والديانات مع تخصيص الأقليات غير المسلمة. وإذا أحصينا الضحايا من المسلمين بأيدي المسلمين أنفسهم لوجدناها تفوق أضعاف جرائم الإرهاب العرقي التي وقعت ضد المسلمين في الغرب. ومع ذلك فإن قلة يرفعون الصوت عاليا لإدانة هذه الأعمال. عدا عن الشامتين علنا والمطالبين بالقضاء على الأطفال قبل أن يصبحوا بدورهم معارضين للحكم، على ما ذهب بعض الفنانين السوريين أمثال رغدة ودريد لحام!

وهذا ليس تبريرا بالطبع لجريمة عنصرية موصوفة تهدف إلى إبادة عرقية؛ لكن لمراجعة الذات ومراجعة التعليقات التي احتارت في تصنيف الفعل والفاعل، من مثل: "لماذا يعدون كل هجوم يقوم به مسلم إرهابا إسلاميا؛ أما عندما يكون المجرم غربيا فيصبح مرضا نفسيا".

لكن كيف نوصف جريمة قام بها فرد لا ينتمي إلى مجموعة، ومن هوسه أمضى سنوات متنقلا يجمع المعلومات والوثائق التي توثق المعارك التي خاضها المسلمون ضد الغربيين على مدى قرون وجمعها في بيان من 74 صفحة وزعه على وسائط الإعلام كي يثير الرأي العام ويدعو إلى الثأر وصولا إلى تعميم عمليات العنف بهدف التبشير بالحرب على الغزاة! هل يكون مثله شخصا سويا؟ ربما ارتبط في رحلاتهإلى دول، من بينها تركيا (حيث يقال إنه قابل داعشيين!) كما إسرائيل حيث مكث عدة أيام؛ بأجهزة استخبارات. مع ذلك هذا لا يعطيه شهادة صحة عقلية أو ذهنية.

وبالتالي من الأجدى طرح أسئلة من نوع: ما الذي أوصل العالم إلى هذا المستوى من العنف الذي يطال البيئة والإنسان؟ ما دور العولمة ووحشية رؤوس الأموال العابرة للقارات والتي "ما ـ فوق الدول" في إفقار الملايين وتعبئتهم ضد الغرباء المنافسين؟ ما مسؤوليتنا ومسؤولية ثقافتنا وفهمنا للدين وممارساتنا التي تتسبب بخراب بلادنا أولاً وقبل كل شيء؟ هل نراجع أنفسنا وننتقدها؟ هل نعتذر أو نظهر العطف والعزاء للضحايا الذين يسقطون جراء ممارساتنا ونتعلم التسامح (كما تفعل رئيسة وزراء نيوزلندا)؟

ثم بماذا يمكن أن ينعت الإرهابي عندما يعلن بنفسه أنه يقتل باسم الإسلام ودفاعا عنه؟ أو عندماتتبناه داعش، التي ترهب المسلمين وغير المسلمين؟ ولماذا يجب أن نلصق التهمة بالمسيحية عندما لا يعلن الإرهابي الغربي بأنه يقتل باسمها؟ ولا ينتمي إلى مجموعة إرهابية دينية كما يفعل الإرهابيون من أصول عربية ومسلمة؟

علينا قبل إدانة أفعال الآخرين أن نقوم بواجب إدانة العنف المعشش في بلادنا ـ ولو امتنع رئيس أكبر دولة على الكرة عن اعتبار الجريمة عملا إرهابيا، وعنصري ـ وذلك لفهم دوافع مجرم مثل برنتون تارانت ومثل دواعشيينا على ارتكاب أفعالهم.

ليس علينا اعتبار كل إرهابي غربي، يخاف من عملية "إبادة البيض" من قبل "الغزاة" على أنواعهم باسم النقاء العرقي والثقافي، "صليبيا!".

هو نفسه يؤكد أنه استوحى دوافعه من النروجي أندرس بريفيك الذي قام بالمقتلة التي قضى فيها 77 ضحية في العام 2011. ويكشف عن أيديولوجية هجينة يخلط فيها التفوق بالعرقية والوطنية الإثنية والأيكو ـ فاشية. وقد وصفه أحد المؤرخين المختصين باليمين المتطرف (نيكولا لوبورغ) بأنه يظهر كل عوارض راديكالية اليمين المتطرف.

وهو وضع شمسا سوداء كرمز، كتلك التي رسمها هاينريش هيملر على أرضية قصر ويويلزبورغ حيث قيادة أس أس SS في قلعة وستفاليا الألمانية (Wewelsburg) وصارت مرجعا للتيار النيو نازي، على ما جاء في صحيفة لوموند.

الملفت في البيان، البراغماتية والاختيار المتأني والمنحرف لمكان الهجوم، معلنا بوضوح أنه يريد أن يبرهن أن لا مكان على وجه الكرة ينجو مما يسميه "الاستبدال الكبير". فاختار رمزيا "آخر العالم" للتأكيد إلى أي درجة وصل فيضان الهجرة.

ولقد فهم ذلك الفاشيون أشباهه حين علق أحدهم "هل كنتم تعرفون بوجود مساجد في نيوزلندا؟ علمت ذلك اليوم فقط".

وهو أوضح في بيانه أنها دعوة للعنف وللأعمال الانتقامية ضد من يسميهم الغزاة. آملا أن يؤدي المرور إلى الفعل إلى إضاءة الطريق المتوجب اتباعه"؛ أي العنف والإرهاب والإبادة الجماعية.

تؤكد دوافعه تلك ما سبق وأشار إليه المسؤول السابق للأمن الداخلي الفرنسي حين أعلن عام 2016 أمام النواب في لجنة الدفاع: "التطرف يتصاعد من جميع النواحي، صرنا نوجه مصادرنا تجاه اليمين المتطرف الذي لا ينتظر سوى المواجهة"، معبرا عن تخوفه من حرب أهلية بعد هجمة 13 تشرين الثاني/نوفمبر الإرهابية.

والعامل المحفز له كان الوضع في فرنسا؛ فعندما عبرها كسائح اكتشف "الغزاة" في كل قرية من قراها. الحدث الثاني الذي أطلق فعلته كان هزيمة لوبن "غير القادرة على تغيير حقيقي ودون أي خطة"، ونجاح ماكرون الذي يصفه بالعولمي والرأسمالي والمساواتي والمصرفي السابق الباحث عن الربح.

أوضح القاتل في بيانه أنها دعوة للعنف وللأعمال الانتقامية ضد من يسميهم الغزاة

من الواضح أن لدى المجرم نموذج أو مثال أعلى يجد أن عليه المحافظة عليه والتبشير به وفرضه؛ يمثله العرق الأبيض المتميز والذي يجسده الشعب الأوروبي. ونظرته إلى المختلفين عنه من الملونين والمسلمين، تتميز بالاحتقار الذي يشمل عرقهم ودينهم ومعتقداتهم.

ربما لا يكون مريضا نفسيا ولكنه مجرم بالتأكيد كمجرمي داعش ومفجري الجامعين وغيرهم، ولا أدري في أي خانة علينا وضع هؤلاء.

لكن قبل ذلك علينا الاختيار بين أحد نموذجين، الزعيم والناطق باسم الإسلام السياسي أردوغان الذي استغل الحدث لتسعير التعصب، وبين رئيسة الوزراء النيوزلندية العلمانية جاسيندا أرديرن، التي تصرفت كإنسانة ومسؤولة!