كان يمكن، بل ربما كان يفترض بلبنان الرسمي الذي إستقبل وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو، ان يتحلى بالشجاعة الكافية ويعبر له صراحة عن الخوف من أن قرار الرئيس دونالد ترامب الاعتراف بالسيادة الاسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة، يمثل بالفعل خطراً مباشراً على الاستقرار اللبناني، يمكن تلمسه عندما ينطلق- خلال ساعات أو أيام- صاروخا كاتيوشا من الاراضي السورية، او اللبنانية لا فرق، باتجاه التلال الجرداء في الهضبة، ليمثلا الرد العملي على الخرق الاميركي لهويتها.

لكن لبنان إختار السلامة، وتجنب الندامة. وسمح كبار المسؤولين اللبنانيين بالتعرض لما يعادل التهديد الاميركي المباشر لأمنه، وإستمعوا الى محاضرة في العفة السياسية من جانب واحد من أسوأ وزراء الخارجية الاميركيين وأدناهم معرفة وثقافة، حول الصراع المتجدد مع إيران الذي حسمه الايرانيون لمصلحتهم في لبنان قبل أي بلد عربي آخر، وبالتفاهم مع النظام السوري إياه.

لم يكن يجوز ان يغفل لبنان خطورة قرار واشنطن شطب الهوية السورية عن الجولان، ويتفادى إدانته على مسمع الوزير الاميركي مباشرة أو على الاقل على مرأى منه ، أي في بيان إستنكار رسمي تصدره الرئاسة اللبنانية او وزارة الخارجية ، مهما تأخر الوقت، وتجري الاشارة فيه الى أن ثمن إعلان إسرائيل ضم الهضبة في العام 1981 لم يكن بخساً أبداً على لبنان، كما لم يكن معزولاً عن معظم ما شهدته الجبهة اللبنانية مع العدو الاسرائيلي منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، من حروب وإختراقات وتفاهمات.

كان هذا هو الرد المطلوب من الدولة اللبنانية، على ذلك القرار الاميركي المستفز، الذي لا تقل خطورته أبداً إذا ما وُصف بأنه مجرد هدية انتخابية من ترامب الى حليفه وشريكه الاسرائيلي الابرز بنيامين نتنياهو. وكان هذا الموقف المتوقع، لكي لا يثار أي شك في ما بعد ، في أن بيروت ومعها دمشق تفضلان بقاء نتيناهو في منصبه وتتمنيان له الفوز في الانتخابات الاسرائيلية المقررة بعد أسبوعين، لأسباب لا تعزى فقط الى هدوء "جبهة الشمال" في عهده، بل الى خياره السوري المعروف والمحدد منذ ربيع العام 2011.

أما الانصات الى بومبيو وهو يشرح للمسؤولين اللبنانيين الذين يدينون بوجودهم في مناصب المسؤولية لحزب الله ، مخاطر ذلك الحزب وسيطرته على الدولة اللبنانية ومقدراتها والحاجة الى مواجهته وإخراجه من المعادلة، فقد كان واحداً من أطرف المواقف التي يشهدها لبنان، والتي تنم، لا عن جهل أميركي ، بل عن إستخفاف بعقول اللبنانيين، وعن إستعداد أميركي للتفريط بالامن الداخلي اللبناني المباشر.. لخدمة صراع واسع المدى مع إيران، يفترض ان تكون الجبهة اللبنانية آخر جبهاته المفتوحة، وليس أولها.

كان يمكن للموقف من الجولان أن يكون فرصة للبنان، لإختبار نفسه ، ولإختبار حلفائه قبل أعدائه، كما كان يفترض ان يكون مناسبة لتسجيل إعتراضه الرسمي والصريح على "صفقة القرن"، التي تهدد هي الاخرى الكيان اللبناني بما هو أخطر بكثير من ضياع الجولان الى الابد، وبقاء النظام الاسدي الى الابد أيضاً. وهي "الصفقة" التي أنجزت فعلاً، حسب تعبير الصديق الدكتور عزمي بشارة في مقابلة تلفزيونية أخيرة، ولم يبق منها سوى بند التطبيع العربي الاسرائيلي. فقد حصل نتنياهو على كل ما كان يريد في فلسطين من القدس الى اللاجئين الى الحدود، وعلى أقصى ما يريد الان من سوريا. وهو يتطلع على الارجح الى التطبيع مع لبنان من البوابة البحرية والترسيم المطلوب للحدود الفاصلة بين آبار النفط والغاز "المشتركة" في مياه المتوسط، وهي المهمة التي تكفلت روسيا بمعالجتها.

كان يمكن للبنان أن يتصرف مع ضيفه الاميركي الثقيل بما يتجاوز كونها محافظة سورية، أو مقاطعة إيرانية.. بالاعتماد فقط على قدر قليل من العصبية الوطنية، التي لا تستفز إلا بالعقوبات المالية!