الرقابة الأميركية على حركة الأموال في العراق تجعل الاتفاقيات المعلنة مجرد فرقعة إعلامية.
 
كشفت مصادر دبلوماسية عراقية أن زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى العراق، لم تفض إلى تحقيق اختراق مهمّ في الملفات الحساسة بين البلدين، وأن إيران لم تحقق ما تريده من كسر الحظر الأميركي عليها من بوابة العراق، في خطوة تكشف الحذر العراقي من إغضاب واشنطن. كما أن بغداد تسعى لإبقاء قنوات التواصل مع المحيط العربي مفتوحة، وهذا ما تفسره رغبة رئيس الحكومة العراقية عادل عبدالمهدي في زيارة السعودية.
 
وبالرغم من الاهتمام الكبير الذي أحيطت به الزيارة من لدن وسائل الإعلام الإيرانية، إلا أن المصادر أكدت لـ”العرب” أن “أفضل ما تم التوصل إليه، هو وعود بدراسة جدية للملفات العالقة بين الجانبين”، وأن إيران تعيش واقعا جديدا في المنطقة يتمثل في كلام عن حماس معنوي وتعاون أمني ولكن أقرب الحلفاء ينؤون عن التعامل مع طهران ماليا واقتصاديا.
 
وقالت المصادر إن الاتفاقات التي وقعها الجانبان كانت شكلية ولم تصدر بشأنها أي تعليمات. وما يعزز هذه المعلومات، البيان المشترك الذي أصدره البلدان في ثاني أيام الزيارة، إذ تحدث بعمومية عن استمرار التعاون في ملفات الصحة والنفط والتجارة وغيرها.
 
ولعل أبرز المفارقات يتمثل في حديث الرئيس الإيراني عن إلغاء تأشيرة دخول زوار العتبات المقدسة بين البلدين، إذ قلل مسؤولون في وزارة الداخلية العراقية من قيمته، وقالوا إنه وعد شكلي يتكرر كل عام، من دون تنفيذ في الغالب.
 
وجرت العادة خلال الأعوام الماضية على صدور تصريحات من مسؤولين عراقيين تتعلق بإلغاء تأشيرة الدخول خلال مواسم الزيارات الدينية بين العراق وإيران، لكن بغداد عادة ما تلتزم الصمت ليتضح أن وزارة الداخلية العراقية فرضت تأشيرة الدخول على الزوار الإيرانيين في جميع المنافذ البرية والجوية.
 
ويدخل إلى العراق نحو 20 مليون إيراني سنويا، لزيارة العتبات المقدسة في بغداد وكربلاء والنجف وسامراء، تفرض بغداد على كل منهم دفع نحو 80 دولارا لرسم الدخول فقط.
 
وبشأن المنطقة التجارية والصناعية المشتركة، التي ألحّ الرئيس الإيراني في الحديث عنها قبيل بدء زيارته إلى العراق وخلالها، قالت المصادر إن “بغداد ليس لديها أي تصور بشأن خطط إنشاء مثل هذه المنطقة”، مشيرة إلى أن “رئيس الوزراء العراقي يدير شخصيا ملف المنطقة المشتركة بين العراق والأردن، وليس لديه تصوّر عن منطقة مماثلة مع إيران”.
 
وحاول المعلقون الإيرانيون إضفاء الطابع الاقتصادي على زيارة روحاني، في ظل الضغط الكبير الذي تتعرض له بلادهم جراء فرض العقوبات الأميركية.
 
وتؤكد مصادر عدة أن الهدف الرئيسي من زيارة روحاني إلى العراق لا يتعلق بتأشيرات الدخول أو المنطقة المشتركة كما توحي بذلك طهران، بل بالحصول على وعد من أعضاء الحكومة في بغداد ومرجعية آية الله علي السيستاني في النجف، بأن بلدهم لن يستجيب للعقوبات الأميركية على إيران.
 
وعلى حدّ تعبير سياسي مقرب من رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي، فإن بغداد وطهران “تعلمان أن القضايا التجارية الكبرى وحركة الأموال في الداخل العراقي، تخضعان لرقابة أميركية صارمة، مستندة إلى ولاء مطلق للولايات المتحدة من قبل محافظ البنك المركزي علي العلاق، الذي حافظ على منصبه بالرغم من تشكيل حكومة عراقية جديدة تلبية لرغبة واشنطن، وكذلك وجود وزير المالية الكردي فؤاد حسين”.
 
ويقول هذا السياسي لـ”العرب” إن “العشرات من المراقبين الماليين الأجانب يعملون إلى جانب مسؤولي البنك المركزي العراقي ووزارة المالية، على مراقبة حركة الأموال والصفقات التجارية، لمنع الإيرانيين من الانتفاع بها”، مشيرا إلى أن “هذا الواقع يفرغ كل الوعود العراقية الموجهة إلى إيران، بشأن مساعدتها على تخطي أثر العقوبات الأميركية، من مضمونها”. لكنه أقر بأن “إيران ستواصل الضغط على العراق”.
 
ويضيف أن “إيران ستحرز نجاحات إعلامية وتكتيكية، ويظهر قادتها أمام الرأي العام بصفتهم أبطال عملية إقناع العراق بعدم الإصغاء للولايات المتحدة، لكن واشنطن تنجح استراتيجيا، لأنها تضمن ولاء أجهزة المال، والقوة الضاربة ضمن المؤسسة العسكرية العراقية”.
 
وتعرف طهران أن ما تقوله حكومة بغداد لن يجد طريقا سالكة إلى الواقع بسبب ضعف تلك الحكومة أمام الضغوط الأميركية التي يزداد تجسيدها وضوحا مع الوقت من خلال المراقبين الأميركيين الذين لم يخف البنك المركزي وجودهم في سياق حرصه على العمل بشفافية.
 
وقال مراقب سياسي عراقي لـ”العرب” إنه لا أحد في إمكانه أن يتكهن إلى أين ستسير الأمور إذا ما قررت واشنطن إحكام قبضتها على حركة الأموال في العراق في ظل تخلّ واضح من قبل الحكومة العراقية عن الدخول في تلك المنطقة الحرجة، مشددا على أن أي حديث عن تقدم في الملف الاقتصادي بين البلدين سيكون محض أمنيات لن يتحقق منها شيء.
 
ويشير المراقب إلى أنه بإمكان طهران أن تفرض نوعا من التعاون الأمني نتيجة لواقع فرضته الانتخابات الأخيرة في العراق التي أسفرت عن انتقال الميليشيات التابعة لإيران من المجال العسكري إلى المجال السياسي، وهو ما يمكن أن تغض الولايات المتحدة الطرف عنه مؤقتا في حدود عدم تأثيره على حضورها العسكري على الأراضي العراقية.
 
ومن المتوقع أن تقبل الولايات المتحدة بتسوية يخرج العراق من خلالها من المعادلة، يكون أساسها النأي بالنفس عن أي نزاع عسكري متوقع، وهو ما يمكن أن تكون إيران حريصة عليه بسبب رغبتها في ألاّ تفقد شيئا من هيمنتها السياسية على العراق.