ليس سرّاً أنّ الموقف الأميركي في ملف الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل أقرب إلى الموقف الإسرائيلي. فلبنان يتعاطى مع «الخط الأزرق» المرسوم بَرّاً في اعتباره خطّاً موقّتاً رُسِمَ على عجل لوضع حدّ للإعتداءات الإسرائيلية على أرضه، وفيه بقيت عالقة، وأبرزها النقطة القريبة من الشاطئ في الناقورة.
 

وهذه النقطة حساسة جداً في رسم الحدود البحرية، لأنّ تحريكها أمتاراً قليلة في أيّ اتجاه يمكن أن يؤدي إلى تغيير كيلومترات عدة في البحر. وأما الحدود التي يعتبرها لبنان حدودَه السيادية أساساً فهي تلك التي تُظهرها خرائطه المعتمدة لدى الأمم المتحدة والمواثيق الدولية. 

في المقابل، تعتبر إسرائيل أنّ الخط الأزرق صالح ليكون الأساس في ترسيم الحدود البحرية، بحيث يكون خطّ الحدود هناك امتداداً له. ولأنّ الاتفاق متعذّر حتى إشعار آخر بين لبنان وإسرائيل على إجراء مفاوضات نهائية حول الحدود، ولأنّ ذلك يقتضي الدخول في مفاوضات سلام لم يحن أوانها بعد، يقول الأميركيون إنهم، من زاوية عملانية وواقعية، يقتربون أيضاً من النظرة الإسرائيلية. 

بل إنّ الأميركيين طرحوا مشروعهم للحل من خلال الخطّ الذي تبنّاه الوسيط الأميركي في الملف فريدريك هوف، قبل 7 سنوات. وهو يعطي إسرائيل مقدار 360 كيلومتراً مربعاً من أصل 860 كيلومتراً يعتبرها لبنان بكاملها ضمن مياهه الإقليمية. وحتى إنّ الرئيس نبيه بري يتحدث عن نحو 500 كيلومتر مربع أخرى استولت إسرائيل على حقّ استثمارها. 

ولم تنجح فكرة خلق مساحة فاصلة، في المناطق التي يدور الخلاف حولها، يتمّ تأجيل استخراج النفط منها إلى حين التوصل إلى اتفاق، بسبب رفض إسرائيل لها. ووفقاً للنظرة الأميركية، إنّ اعتماد هذا الخط - على رغم الاعتراضات اللبنانية- يبقى ضرورياً ليتمكن لبنان وإسرائيل من المباشرة في استثمار مخزونات النفط والغاز هناك. وليس في مصلحة أيٍّ منهما- ولاسيما لبنان- أن ينتظر اتفاق السلام لتحقيق ذلك. فملف النفط والغاز في المتوسط يتحرَّك بقوة مع اكتشاف حقول إضافية في مصر والأردن وسوريا وقبرص، إضافة إلى إسرائيل، وقد بدأ استثمارُها على نطاق واسع، وهي سبقت لبنان إلى الأسواق الأوروبية.

لكن مشكلة لبنان تكمن أيضاً في أنّ تأخّره في استثمار مخزوناته الحدودية يتيح لإسرائيل أن تبتلع منها مقادير غير محدَّدة، نظراً إلى تداخل الحقول في المياه الإقليمية. وثمة معلومات وصلت إلى مراجع لبنانية، منذ أيام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، تؤكد أنّ سرقة كميات هائلة من الغاز اللبناني تتمّ عبر أنبوب يمتدّ في المياه الإقليمية اللبنانية المتاخمة للحدود. وآنذاك، تبلّغ الأميركيون شكوى لبنان فطلبوا منه التزام جانب الهدوء وإتاحة المجال لمفاوضات غير مباشرة مع الإسرائيليين، من أجل حلحلة الأزمة.

اليوم، يبدو لبنان محشوراً في هذا الملف، في ظل معطيات عدة:

1- تأخّر الشركات الأوروبية الثلاث التي التزمت البلوكين 4 و9 من أصل 10 بلوكات في بدء عملية الحفر، وتحضير لبنان للدورة الثانية من المناقصات. وجدير بالذكر أنّ إسرائيل كانت هدَّدت لبنان بأنها ستتصدّى لأيّ عملية تنقيب تقوم بها أيّ شركة في المنطقة التي تعتبرها خاضعة لها. وهذا يعني أنّ الشركات ستجد صعوبة في بدء عملها هناك.

2- قيام إسرائيل بسرقة مخزونات من حقول النفط المحاذية لمياه لبنان الإقليمية. وهذا عامل ضاغط على لبنان ويفرض عليه القيام بأيّ خطوة توقف السرقة.


3- الاتفاق بين إسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا، في كانون الأول الفائت، على مدّ أطول خط غاز من شرق المتوسط إلى أوروبا، وفق مذكرة تفاهم لتطوير مشروع الغاز الطبيعي المعروف بـ «EastMed». 

ويقضي المشروع بإقامة أنبوب بحري بطول 1300 كيلومتر شرق المتوسط حتى جنوب اليونان، وأنبوب بَرّي بطول 600 كيلومتر إلى غرب اليونان، ويرتبط هناك بأنابيب مخصصة لنقل الغاز إلى إيطاليا ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي. 

ووفق بعض التقديرات، سيتم نقل نحو 10 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً. وهذا الأنبوب، على الأرجح، سيمسّ بسيادة لبنان على مياهه الإقليمية في ظل الضبابية الحاصلة حول الحدود بين لبنان وإسرائيل وقبرص. 

4- حاجة لبنان الماسّة إلى المردود في مجال النفط والغاز لمواجهة أزماته الاقتصادية والمالية الخانقة، مع أنّ بعض المراجع المعنية في لبنان يتوقَّع، في أفضل الأحوال، بدء عمليات الاستخراج عام 2023. 

5- هناك تحوُّلات جيوسياسية قد تشهدها المنطقة في العام الجاري، أو العام المقبل في أبعد حدّ، تؤدي إلى ولادة شرقٍ أوسط جديد، تصان فيه مصالح الأقوياء والذين انخرطوا في ترتيبات واتفاقات مسبقة. ومن الصعب على لبنان أن يستفيد من هذه التحوّلات إذا لم يبادر اليوم.

لذلك، ثمة مَن يعتقد أنّ المبررات لقيام مفاوضات لبنانية - إسرائيلية غير مباشرة، حول ترسيم الحدود البحرية، باتت ناضجة، على غرار تلك التي خاضها الطرفان وانتهت بترسيم الخط الأزرق. 

ويتحدث البعض عن استعداد أميركي لرعاية هذه المفاوضات من خلال وساطة جديدة يتم التحضير لها. ويمكن أن تجرى المفاوضات في منطقة عمل «اليونيفيل» في رأس الناقورة.

في أيّ حال، سيظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود في زيارة وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو المرجّحة في 21 أو 22 الجاري، والتي مهّد لها نائبه ديفيد ساترفيلد.

ولكن، هل الإسرائيليون مستعدون للدخول في هذه المفاوضات؟ البعض يعتقد أنّ الأمر يتعلق بمدى حصولهم على تجاوب لبناني في النظرة إلى «خط هوف»، والأميركيون إلى حدّ بعيد.