لماذا فشلت القمة الثانية التي عقدت بين رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون؟ بل لماذا كان الأول متفائلاً الى درجة الاقتناع بأنها ستكون ناجحة، وبأنها ستحقّق له الانجاز الذي ينتظره لتحقيق أهداف ثلاثة يسعى اليها بقوة. الأول الحصول على تأييد عارم يتجاوز الانقسامات الحزبية بين الديموقراطيين والجمهوريين وبين فئات الشعب والمجتمع الأميركي، بدءاً من العنصريين البيض مروراً بالسود والملوّنين، وانتهاءً بالنساء والمهاجرين غير الشرعيين ومشكلة الهجرة وانتشار السلاح بين أيدي المواطنين. والثاني تقليص الاهتمام بالتحقيق الذي يجريه المحقّق الخاص مولر في احتمال تورّطه ومساعديه في التواطؤ مع روسيا في حملته الانتخابية، وربما بعد انتهائها بدخوله البيت الأبيض. والثالث تعبيد طريق التجديد له ولاية رئاسية ثانية عام 2020 منذ الآن. أما الانجاز الذي أمل في أن يحقّقه من قمة هانوي مع جونغ أون فكان موافقة هذا الأخير على نزع أسلحته النووية وإن على نحو تدريجي، استناداً الى خطة تنفيذية تتفق عليها واشنطن وبيونغ يانغ. هل ستستمر المحادثات بين العاصمتين المذكورتين على مستوى الديبلوماسيين والخبراء أو على مستوى وزيري الخارجية فيهما؟ وهل ستفتح الباب أمام قمة ثالثة بين الرئيسين جونغ أون وترامب؟ أم ستعود العلاقة الى ما كانت عليه سابقاً أي استمرار العداء المعلن، ومعاودة كوريا الشمالية اجراء تجارب صاروخية باليستية بعيدة المدى، وتطوير ترسانتها النووية، والاستمرار في العمل غير المباشر ضد أميركا من خلال دعم أعدائها وفي مقدمهم الجمهورية الاسلامية الايرانية، وأخصامها المنافسين في آن مثل الصين وروسيا بدرجة أقل؟ هذه الأسئلة المهمة أجاب عنها متابع أميركي صديق عُرف دائماً بعمقه وسعة اطلاعه وجديّته في متابعة أوضاع بلاده داخلاً وخارجاً. قال أن “انتقاد نتائج القمة المذكورة أعلاه تجاوز خطوط الانقسام الحزبي داخل الولايات المتحدة وتركّز على حقيقتين. الأولى أن الرئيس ترامب لم يثق أو يؤمن بقيادة أجهزة الاستخبارات المتنوعة في بلاده وتالياً لم يصدق كل ما قالوه له حول كوريا الشمالية ورئيسها وحول نيّاته الفعلية، استناداً الى معلومات ومعطيات موثوق بها. والثانية غياب التحضيرات ذات المعنى لـ”أجندا” القمة من قبل الرئيس وفريقه. فهؤلاء القادة أخبروه أن نظيره الكوري الشمالي غير مستعد ولا مهيّأ للتخلي عن أسلحته النووية ولإخراج بلاده من نادي الدول النووية، لاقتناعه بأن بقاءه ونظامه يعتمد على الاستمرار في حيازة هذه الأسلحة وفي تصنيعها كما في تسليمها لحلفائه. وبدا أن ترامب صدّق أن “سِحره” سيجعل يومه (قمته) رابحاً وسينتهي باتفاق. وضاعف ذلك الانتقادات له لأن كل ما يفكر فيه منذ وصوله الى الرئاسة، وهذا طبعه ربما، يستطيع تحقيقه، ولأنه أعطى قبل القمة مكاسب مهمة لجونغ أون أبرزها تعليق المناورات المشتركة مع الحليفة المزمنة لبلاده كوريا الجنوبية، والاعتراف بكوريا الشمالية دولة نووية. ولم يحصل في مقابل ذلك كله على شيء باستثناء ما يبدو حالياً أنه تعليق موقّت للتجارب النووية الصاروخية الباليستية”. أضاف المتابع نفسه: “أعتقد هنا لا بل أؤمن بأن ترامب تجاهل أو استخفّ بنصيحة قادة الأجهزة الاستخبارية أنفسهم، وهي أن الصين لا تريد أن ترى كوريا الشمالية تقفز الى حضن أميركا. علماً ان ذلك لم تخُض فيه وسائل الاعلام. وكما يعلم الكثيرون في العالم فإن بيونغ يانغ تعتمد كثيراً لاستمرار بقائها على الصين وسخائها، وهي لن تتجرّأ على خطوة كالمُشار إليها. أنا أعتقد أن الضغط الصيني كان له دور مهم في فشل قمة هانوي الفيتنامية، وفي العرض المثير للسخرية الذي قدّمه جونغ أون القاضي بالموافقة على مناقشة نزع نووية بلاده في مقابل رفع أميركا العقوبات التي فرضتها ولا تزال تفرضها عليها كلها. ولا شك في أن الحرب التجارية الدائرة بين بيجينغ وواشنطن كانت عاملاً مهماً في موقف الأولى. في أي حال”، تابع المتابع نفسه، “كانت سياسة الصين واستراتيجيتها التمسّك الدائم بضمان عدم وصول أميركا مع حليفتها كوريا الجنوبية الى الحدود البرية بينها وبين كوريا الشمالية أو الاقتراب منها. لهذا السبب ذهبت الصين الى الحرب مع أميركا في أثناء الحرب الكورية في مطلع خمسينات القرن الماضي. ذلك أنها قطعت خط العرض 38 واقتربت كثيراً من الحدود المذكورة أعلاه. وسيكون الخوف من الوصول أو الاقتراب هذين عاملاً مؤثراً في المحادثات بين واشنطن وبيونغ يانع. ربما عندما تنتهي الحرب التجارية مع أميركا تسمح الصين لكوريا الشمالية بالموافقة على التخلّي عن نوويتها، وهذا ليس أكيداً بعد. لكنها ستقبل دوراً أميركياً مهماً فيها”. ماذا عن الحرب التجارية الأميركية – الصينية؟ “لا تزال مستمرة” أجاب المتابع نفسه، “لكن يُحتمل أن تفرض أميركا مزيداً من التعرفات على بضائع صينية. ويبدو واضحاً أن الاقتصاد الصيني يتباطا وقد أثّرت فيه سلباً العقوبات. ويبدو واضحاً أيضاً أن ولايات زراعية عدّة في أميركا (قاعدة ترامب) تعاني نتيجة الحرب المذكورة. ولا يبدو ان أياً منها في وارد التنازل أو الاستسلام، لكن يمكن التفاهم على تأخير الفرض المتبادل للعقوبات. ومن الطبيعي أن لا يستطيع ترامب أن يفعل ذلك الآن بعدما أُعلِن أن البلاد تعاني أسوأ عجز تجاري في تاريخها وهو يتضخّم في استمرار. وهذه أخبار سيئة للبيت الأبيض ولا سيما التي منها تتحدث عن إقفال مصانع عدّة في ولايات لعبت دوراً أساسياً في انتخابه. فهل سيتسبب ذلك بخسارته الولاية الثانية عام 2020؟”.