هل احتلت الولايات المتحدة العراق لتتركه إلى زعماء الميليشيات الإيرانية وجوعهم المزمن للجاه والمال والسلطة، أم أنها ضحت بالأموال الطائلة والآلاف من الجنود لتحافظ على مصالحها في العراق والمنطقة.
 

بعد 16 سنة من احتلال العراق تبدو المناخات السياسية أكثر تعقيدا من السنة الأولى التي اتسمت بنشوة التدافع على استرضاء الحاكم المدني الأميركي، بول بريمر، الذي تم تعويضه بالحاكم العسكري لولاية الفقيه قاسم سليماني قائد فيلق “القدس” في الحرس الثوري الإيراني. فوضى أمنية لا يمكن إنكارها بعد فترة تدريب طويلة في صناعة الإرهاب ومكافحته واحتلال المدن وتحريرها ووضع الصبات الكونكريتية ورفعها، وما بينها من قتل على الهوية وفتاوى ومصالحات على مزاج سلاح الميليشيات ومقاعدها الانتخابية، حيث نشهد النهايات الموعودة لتنظيم داعش في آخر جيوبه السورية.

العراقيون مع اقترابهم من ذكرى كارثة الاحتلال يبدو أنهم أصبحوا أكثر قدرة على التأمل في الحفرة التي سقطوا فيها بعد أن جرّتهم إليها قوى سياسية انشغلت بترتيب أوضاعها، ثم وصلت إلى نقطة التقاء بعد انجلاء الرغبات وفوضى السلاح لتنتبه إلى حتمية النجاة بالخلاص من الواقع الذي وصفه رئيس الجمهورية برهم صالح بالدولة العميقة للفساد، وفي تصريح آخر يستنجد بأربعين سنة قادمة ليتعافى العراق من أمراض هذه الدولة.

الاعتراف بـ“العراق أولا” ينبغي أن يبدأ بالاعتراف بالفشل وبسقطة الاحتلال بما يفترض أن تؤدي إليه من معاينة الأضرار ومراجعة الحسابات للخروج من المأزق التاريخي، ومواجهة الحقائق بالإجابة على أسئلة تتعلق بتغير العلاقات مع الدولة العظمى المحتلة بانسحاب قواتها العسكرية التي وصلت أعدادها إلى 160 ألف مقاتل بعد تفكيك الجيش الوطني بمؤسساته ومعاهده وكلياته ومعسكراته وخبراته القتالية.

هل احتلت الولايات المتحدة العراق لتتركه إلى زعماء الميليشيات الإيرانية وجوعهم المزمن للجاه والمال والسلطة، أم أنها ضحت بالأموال الطائلة والآلاف من الجنود لتحافظ على مصالحها في العراق والمنطقة؟ أي أن الولايات المتحدة جاءت لتبقى، وذلك لا يعني أبدا الإبقاء على قواتها القتالية بما تكلفها، إنما بما يضمن مصالحها وإستراتيجياتها وبأقل التكاليف وخارج المساءلة والمحاججات القانونية الوطنية والدولية إن وجدت.

سفارة الولايات المتحدة في بغداد هي الأكبر في العالم من حيث المساحة والمنشآت والمهمات الوظيفية، بما يوازي قاعدة استخبارية وقاعدة دبلوماسية تتسع وتتقلص عند الحاجة لتراوح بين 6 آلاف إلى 15 ألف منتسب، وكذلك الأمر في قنصليتها في أربيل العاصمة الإدارية لإقليم كردستان.

إذا الولايات المتحدة “باقية وتتمدد” ولو ضمن سقف الدبلوماسية، أي بواجبات السفارة والقنصليات، أما إشارة الرئيس دونالد ترامب إلى تخصيص 3 مليارات دولار لتطوير قاعدة عين الأسد في الأنبار لمحاربة ومراقبة أنشطة الإرهاب وتدريب القوات العراقية، فهي تجيب دون لبس وعلى طريقة إشارات المرور لحركة سير القوى السياسية في العراق إن كانت حكومية أو برلمانية أو بتوجهات مشروع إيراني أو بنادق ميليشياوية صرفة، والغريب أن تلك الإشارة مرت بانسيابية ودون تعليق.

النظام الإيراني قال من كربلاء على لسان وزير الخارجية المستقيل محمد جواد ظريف “نحن باقون وهم سيمضون”، وهو ما تؤكده كل الأطراف المتصارعة على أرض العراق بما فيها تنظيم داعش الذي تتفاقم عملياته وسط مراجعة سياسية وعسكرية تصل حد الاتهامات باستذكار أرقام قتلى تنظيم الدولة في المواجهات الصادمة التي شهدتها المعارك في الموصل، وكيفية تضخيمها مقابل أرقام الضحايا الأبرياء الذين مازالت بعض جثثهم تحت الأنقاض وأصبحت عرضة لمزايدات ومناقصات تدحضها الأرقام الفعلية المسجلة لانتشال الجثث وهي بالآلاف.

تحجيم أرقام الضحايا الأبرياء من المدنيين والإفاضة في أعداد قتلى داعش لا يحققان المطلوب في الحرب على الإرهاب من ناحية الخطط الأمنية أو في إعادة النازحين وإعمار مدنهم، أو حتى للترويج لمكاسب شخصية وحزبية، فأرقام المقاتلين من داعش هي أرقام مبعثرة وغير دقيقة، تتحدث حسب قراءات استخبارية ومن مصادر في السلطة عن تقديرات تصل إلى أكثر من 10 آلاف مقاتل.

السؤال يتجه إلى التحقيق في أعداد قتلى داعش في معارك الموصل وهل كانت مؤثرة جدا في هيكلية التنظيم أم أن غالبيتهم هربوا باتجاه سوريا. المعلومات العسكرية أثناء تلك المعارك كانت تستبعد فتح الثغرات لهروبهم رغم المطالب المتعددة من أجل تخفيف الخسائر بين المدنيين، لكن قراءة الموقف الآن تؤكد أن أعداد قتلى التنظيم أقل من المعلن وأن أرقام الضحايا من المدنيين لا تتناسب مع ما كان يذكر عن هامش الخطأ في العمليات الحربية.

الأخطر كامن في المتبقي من الأفراد، وهم كما هو واضح باقون أيضا ويتمددون لأن من تبقى منهم هو الأكثر تدريبا وقدرة على المناورة والبقاء على قيد الحياة رغم الهجمات الواسعة من سلاح جو التحالف الدولي أو هجمات المعارك البرية التي شرذمتهم إلى مجاميع متناثرة قد تمكنهم خبراتهم من خوض حرب عصابات طويلة.

الميليشيات المذهبية إن كانت تحت إمرة الحشد “الشعبي” أو خارجه ممن تشتكي منها الحكومة وتعترف بفشل السيطرة عليها، هي الأخرى باقية وتتمدد في إمكاناتها وتجربتها القتالية أو في التكيف مع أهداف المناورة الإيرانية بالتغلغل في مفاصل السياسة وإدارة شؤون الأمن والتحريض على خروج القوات الأجنبية لإملاء الفراغات. ما يتبقى هم العراقيون الذين لا مصلحة لهم بدولة الفساد العميقة أو حفرة الاحتلال.